درس فرائد الاصول - استصحاب

جلسه ۱۳۷: تعارض استصحاب با سایر امارات ۶

 

الموضع الثالث

هل يعتبر في التجاوز والفراغ الدخول في الغير ، أم لا؟

الدخول في غير المشكوك إن كان محقّقا للتجاوز عن المحلّ ، فلا إشكال في اعتباره ، وإلاّ فظاهر الصحيحتين الاوليتين اعتباره ، وظاهر إطلاق موثّقة ابن مسلم عدم اعتباره.

ويمكن حمل التقييد في الصحيحين على الغالب خصوصا في أفعال الصلاة ؛ فإنّ الخروج من أفعالها يتحقّق غالبا بالدخول في الغير ، وحينئذ فيلغو القيد.

ويحتمل ورود المطلق على الغالب ، فلا يحكم بالإطلاق.

ويؤيّد الأوّل ظاهر التعليل المستفاد من قوله عليه‌السلام : «هو حين يتوضّأ أذكر منه حين يشكّ» (١) ، وقوله عليه‌السلام : «إنّما الشكّ إذا كنت في شيء لم تجزه» (٢) بناء على ما سيجيء من التقريب (٣) ، وقوله عليه‌السلام : «كلّ ما مضى من صلاتك وطهورك ... الخبر» (٤).

لكنّ الذي يبعّده أنّ الظاهر من ال «غير» في صحيحة إسماعيل ابن جابر : «إن شكّ في الركوع بعد ما سجد وإن شكّ في السجود بعد ما قام فليمض» (٥) بملاحظة مقام التحديد ومقام التوطئة للقاعدة المقرّرة

__________________

(١) تقدّم الحديث في الصفحة ٣٢٥.

(٢) تقدّم الحديث في الصفحة ٣٢٧.

(٣) انظر الصفحة ٣٣٧.

(٤) تقدّم الحديث في الصفحة ٣٢٧.

(٥) تقدّم الحديث في الصفحة ٣٢٦.

بقوله عليه‌السلام بعد ذلك : «كلّ شيء شكّ فيه ... الخ» كون السجود والقيام حدّا للغير الذي يعتبر الدخول فيه ، وأنّه لا غير أقرب من الأوّل بالنسبة إلى الركوع ، ومن الثاني بالنسبة إلى السجود ؛ إذ لو كان الهويّ للسجود كافيا عند الشكّ في الركوع ، والنهوض للقيام كافيا عند الشكّ في السجود ، قبح في مقام التوطئة للقاعدة الآتية التحديد بالسجود والقيام ، ولم يكن وجه لجزم المشهور (١) بوجوب الالتفات إذا شكّ قبل الاستواء قائما.

وممّا ذكرنا يظهر : أنّ ما ارتكبه بعض من تأخّر (٢) ، من التزام عموم «الغير» وإخراج الشكّ في السجود قبل تمام القيام بمفهوم الرواية ، ضعيف جدّا ؛ لأنّ الظاهر أنّ القيد وارد في مقام التحديد.

والظاهر أنّ التحديد بذلك توطئة للقاعدة ، وهي (٣) بمنزلة ضابطة كلّية ، كما لا يخفى على من له أدنى ذوق في فهم الكلام ، فكيف يجعل فردا خارجا بمفهوم القيد (٤) عن عموم القاعدة؟!

عدم كفاية الدخول في مقدّمات الغير

فالأولى : أن يجعل هذا كاشفا عن خروج مقدّمات أفعال الصلاة عن عموم «الغير» فلا يكفي في الصلاة مجرّد الدخول ولو في فعل غير

__________________

(١) انظر مفتاح الكرامة ٣ : ٣٠٥ ، بل في الجواهر : «لم أعثر على مخالف في وجوب الرجوع» انظر الجواهر ١٢ : ٣٢٠.

(٢) كصاحبي الذخيرة والجواهر ، انظر الذخيرة : ٣٧٦ ، والجواهر ١٢ : ٣١٦ ـ ٣٢١.

(٣) في (ظ) زيادة : «له».

(٤) في (ه) بدل «القيد» : «الغير».

أصلي ، فضلا عن كفاية مجرّد الفراغ.

الأقوى اعتبار الدخول في الغير وعدم كفاية مجرّد الفراغ

والأقوى : اعتبار الدخول في الغير وعدم كفاية مجرّد الفراغ ، إلاّ أنّه قد يكون الفراغ عن الشيء ملازما للدخول في غيره ، كما لو فرغ عن الصلاة والوضوء ؛ فإنّ حالة عدم الاشتغال بهما يعدّ مغايرة لحالهما وإن لم يشتغل بفعل وجوديّ ، فهو دخول في الغير بالنسبة إليهما.

عدم صحّة التفصيل بين الصلاة والوضوء

وأمّا التفصيل بين الصلاة والوضوء ، بالتزام كفاية مجرّد الفراغ من الوضوء ولو مع الشكّ في الجزء الأخير منه ، فيردّه اتحاد الدليل في البابين (١) ؛ لأنّ ما ورد ، من قوله عليه‌السلام في من شكّ في الوضوء بعد ما فرغ من الوضوء : «هو حين يتوضّأ أذكر منه حين يشكّ» (٢) عامّ بمقتضى التعليل لغير الوضوء أيضا ؛ ولذا استفيد منه حكم الغسل و (٣) الصلاة أيضا. وكذلك موثّقة ابن أبي يعفور المتقدّمة (٤) ، صدرها دالّ على اعتبار الدخول في الغير في الوضوء ، وذيلها يدلّ على عدم العبرة بالشكّ بمجرّد التجاوز مطلقا من غير تقييد بالوضوء ، بل ظاهرها يأبى عن التقييد. وكذلك روايتا زرارة وأبي بصير المتقدّمتان (٥) آبيتان عن

__________________

(١) لم ترد «في البابين» في (ت).

(٢) تقدّم الحديث في الصفحة ٣٢٥.

(٣) في (ه) زيادة : «عمّ» ، وفي (ظ) زيادة : «يعمّ».

(٤) في الصفحة ٣٢٦.

(٥) المتقدّمتان في الصفحة ٣٢٦ ، والظاهر أنّ المراد برواية أبي بصير هي رواية إسماعيل بن جابر ، حيث رواها في الوافي (٨ : ٩٤٩ ، الحديث ٧٤٦٦ ـ ١١) عن التهذيب بإسناده عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه‌السلام ، ولكنّها ليست موجودة بهذا السند في التهذيب ، وانظر الجواهر ١٢ : ٣١٤.

التقييد.

وأصرح من جميع ذلك في الإباء عن التفصيل بين الوضوء والصلاة قوله عليه‌السلام في الرواية المتقدّمة (١) : «كلّ ما مضى من صلاتك وطهورك فذكرته تذكّرا فأمضه».

__________________

(١) في الصفحة ٣٢٧.