درس فرائد الاصول - استصحاب

جلسه ۱۴۵: تعارض استصحاب با سایر امارات ۱۴

 

ومنها : قول الصادق عليه‌السلام لمحمّد بن الفضل : «يا محمّد ، كذّب سمعك وبصرك عن أخيك ، فإن شهد عندك خمسون قسامة أنّه قال ، وقال : لم أقل ، فصدّقه وكذّبهم» (١).

ومنها : ما ورد مستفيضا ، من أنّ «المؤمن لا يتّهم أخاه» (٢) وأنّه «إذا اتّهم أخاه انماث الإيمان في قلبه ، كما ينماث الملح في الماء» (٣) ، وأنّ «من اتّهم أخاه فلا حرمة بينهما» (٤) ، وأنّ «من اتّهم أخاه فهو ملعون ملعون» (٥) ، إلى غير ذلك من الأخبار المشتملة على هذه المضامين ، أو ما يقرب منها (٦).

المناقشة في دلالة الأخبار

هذا ، ولكنّ الإنصاف : عدم دلالة هذه الأخبار إلاّ على أنّه لا بدّ من أن يحمل ما يصدر من الفاعل على الوجه الحسن عند الفاعل ، ولا يحمل على الوجه القبيح عنده ، وهذا غير ما نحن بصدده ؛ فإنّه إذا فرض دوران العقد الصادر منه بين كونه صحيحا أو فاسدا لا على وجه قبيح ، بل فرضنا الأمرين في حقّه مباحا ، كبيع الراهن بعد رجوع المرتهن عن الإذن واقعا أو قبله ، فإنّ الحكم بأصالة عدم ترتّب الأثر

__________________

(١) الوسائل ٨ : ٦٠٩ ، الباب ١٥٧ من أبواب أحكام العشرة ، الحديث ٤ ، وفيه بدل «أنّه قال وقال لم أقل» : «وقال لك قولا».

(٢) بحار الأنوار ١٠ : ١٠٠ ، ضمن الحديث الأوّل ، المعروف ب «حديث الأربعمائة».

(٣) الوسائل ٨ : ٦١٣ ، الباب ١٦١ من أبواب أحكام العشرة ، الحديث الأوّل.

(٤) الوسائل ٨ : ٦١٤ ، الباب ١٦١ من أبواب أحكام العشرة ، الحديث ٢.

(٥) الوسائل ٨ : ٥٦٣ ، الباب ١٣٠ من أبواب أحكام العشرة ، الحديث ٥.

(٦) انظر الوسائل ٨ : ٥٤٤ ، الباب ١٢٢ من أبواب أحكام العشرة ، الحديث ٧ ، والوسائل ٨ : ٦١١ ، الباب ١٥٩ منها ، الحديث ٢.

على البيع ـ مثلا ـ لا يوجب خروجا عن الأخبار المتقدّمة الآمرة بحسن الظنّ بالمؤمن في المقام ، خصوصا إذا كان المشكوك فعل غير المؤمن ، أو فعل المؤمن الذي يعتقد بصحّة ما هو الفاسد عند الحامل.

ثمّ لو فرضنا أنّه يلزم من الحسن ترتيب الآثار ، ومن القبيح عدم الترتيب ـ كالمعاملة المردّدة بين الربويّة وغيرها ـ لم يلزم من الحمل على الحسن بمقتضى تلك الأخبار الحكم بترتّب الآثار ؛ لأنّ مفادها الحكم بصفة الحسن في فعل المؤمن ، بمعنى عدم الجرح في فعله ، لا ترتيب جميع آثار ذلك الفعل الحسن ، ألا ترى أنّه لو دار الأمر بين كون الكلام المسموع من مؤمن بعيد سلاما ، أو تحيّة ، أو شتما ، لم يلزم من الحمل على الحسن وجوب ردّ السلام.

ممّا يؤيّد عدم دلالة الأخبار

وممّا يؤيّد ما ذكرنا ، جمع الإمام عليه‌السلام في رواية محمد بن الفضل ، بين تكذيب خمسين قسامة ـ أعني البيّنة العادلة ـ وتصديق الأخ المؤمن ، فإنّه ممّا لا يمكن إلاّ بحمل تصديق المؤمن على الحكم بمطابقة الواقع ، المستلزم لتكذيب القسامة ـ بمعنى المخالفة للواقع ـ مع الحكم بصدقهم في اعتقادهم ؛ لأنّهم أولى بحسن الظنّ بهم من المؤمن الواحد. فالمراد من تكذيب السمع والبصر تكذيبهما فيما يفهمان من ظواهر بعض الأفعال من القبح ، كما إذا ترى شخصا ظاهر الصحّة يشرب الخمر في مجلس يظنّ أنّه مجلس الشرب.

وكيف كان ، فعدم وفاء الأخبار بما نحن بصدده أوضح من أن يحتاج إلى البيان ، حتّى المرسل الأوّل ، بقرينة ذكر الأخ ، وقوله عليه‌السلام : «ولا تظنّنّ ... الخبر».

ممّا يؤيّد عدم دلالة أيضاً

وممّا يؤيّد ما ذكرنا أيضا ، ما ورد في غير واحد من الروايات :