درس فرائد الاصول - استصحاب

جلسه ۱۴۶: تعارض استصحاب با سایر امارات ۱۵

 

على البيع ـ مثلا ـ لا يوجب خروجا عن الأخبار المتقدّمة الآمرة بحسن الظنّ بالمؤمن في المقام ، خصوصا إذا كان المشكوك فعل غير المؤمن ، أو فعل المؤمن الذي يعتقد بصحّة ما هو الفاسد عند الحامل.

ثمّ لو فرضنا أنّه يلزم من الحسن ترتيب الآثار ، ومن القبيح عدم الترتيب ـ كالمعاملة المردّدة بين الربويّة وغيرها ـ لم يلزم من الحمل على الحسن بمقتضى تلك الأخبار الحكم بترتّب الآثار ؛ لأنّ مفادها الحكم بصفة الحسن في فعل المؤمن ، بمعنى عدم الجرح في فعله ، لا ترتيب جميع آثار ذلك الفعل الحسن ، ألا ترى أنّه لو دار الأمر بين كون الكلام المسموع من مؤمن بعيد سلاما ، أو تحيّة ، أو شتما ، لم يلزم من الحمل على الحسن وجوب ردّ السلام.

ممّا يؤيّد عدم دلالة الأخبار

وممّا يؤيّد ما ذكرنا ، جمع الإمام عليه‌السلام في رواية محمد بن الفضل ، بين تكذيب خمسين قسامة ـ أعني البيّنة العادلة ـ وتصديق الأخ المؤمن ، فإنّه ممّا لا يمكن إلاّ بحمل تصديق المؤمن على الحكم بمطابقة الواقع ، المستلزم لتكذيب القسامة ـ بمعنى المخالفة للواقع ـ مع الحكم بصدقهم في اعتقادهم ؛ لأنّهم أولى بحسن الظنّ بهم من المؤمن الواحد. فالمراد من تكذيب السمع والبصر تكذيبهما فيما يفهمان من ظواهر بعض الأفعال من القبح ، كما إذا ترى شخصا ظاهر الصحّة يشرب الخمر في مجلس يظنّ أنّه مجلس الشرب.

وكيف كان ، فعدم وفاء الأخبار بما نحن بصدده أوضح من أن يحتاج إلى البيان ، حتّى المرسل الأوّل ، بقرينة ذكر الأخ ، وقوله عليه‌السلام : «ولا تظنّنّ ... الخبر».

ممّا يؤيّد عدم دلالة أيضاً

وممّا يؤيّد ما ذكرنا أيضا ، ما ورد في غير واحد من الروايات :

من عدم جواز الوثوق بالمؤمن كلّ الوثوق ، مثل :

رواية عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال : «لا تثقنّ بأخيك كلّ الثقة ؛ فإنّ صرعة الاسترسال لا تستقال» (١).

وما في نهج البلاغة عنه عليه‌السلام : «إذا استولى الصلاح على الزمان وأهله ، ثمّ أساء رجل الظنّ برجل لم يظهر (٢) منه خزية (٣) ، فقد ظلم ، وإذا استولى الفساد على الزمان وأهله ، ثمّ أحسن رجل الظنّ برجل ، فقد غرّر» (٤).

وفي معناه قول أبي الحسن عليه‌السلام في رواية محمّد بن هارون الجلاّب : «إذا كان الجور أغلب من الحقّ ، لا يحلّ لأحد أن يظنّ بأحد خيرا ، حتّى يعرف ذلك منه» (٥).

إلى غير ذلك ممّا يجده المتتبّع (٦).

فإنّ الجمع بينها وبين الأخبار المتقدّمة يحصل بأن يراد من الأخبار : ترك ترتيب آثار التهمة ، والحمل على الوجه الحسن من حيث مجرّد الحسن ، والتوقّف فيه من حيث ترتيب سائر الآثار.

ويشهد له ما ورد ، من : «أنّ المؤمن لا يخلو عن ثلاثة : الظنّ والحسد والطيرة ، فإذا حسدت فلا تبغ ، وإذا ظننت فلا تحقّق ، وإذا

__________________

(١) الوسائل ٨ : ٥٠١ ، الباب ١٠٢ من أبواب أحكام العشرة ، الحديث ١.

(٢) في المصدر : «لم تظهر».

(٣) في المصدر بدل «خزية» : «حوبة».

(٤) نهج البلاغة : ٤٨٩ ، الحكمة ١١٤.

(٥) الوسائل ١٣ : ٢٣٣ ، الباب ٩ من أحكام الوديعة ، الحديث ٢.

(٦) انظر الوسائل ١١ : ١٣٧ ، الباب ١٣ من أبواب جهاد النفس ، الحديث الأوّل.

تطيّرت فامض» (١).

الثالث : الإجماع القوليّ والعمليّ

الاستدلال بالإجماع القولي

أمّا القوليّ ، فهو مستفاد من تتبّع فتاوى الفقهاء في موارد كثيرة (٢) ، فإنّهم لا يختلفون في أنّ قول مدّعي الصحّة في الجملة مطابق للأصل وإن اختلفوا في ترجيحه على سائر الاصول ، كما ستعرف (٣).

الاستدلال بالإجماع العملي

وأمّا العمليّ ، فلا يخفى على أحد أنّ سيرة المسلمين في جميع الأعصار ، على حمل الأعمال على الصحيح ، وترتيب آثار الصحّة في عباداتهم ومعاملاتهم ، ولا أظنّ أحدا ينكر ذلك إلاّ مكابرة.

الرابع : العقل المستقلّ

الاستدلال بالعقل

الحاكم بأنّه لو لم يبن على هذا الأصل لزم اختلال نظام المعاد والمعاش ، بل الاختلال الحاصل من ترك العمل بهذا الأصل أزيد من الاختلال الحاصل من ترك العمل ب «يد المسلم».

مع أنّ الإمام عليه‌السلام قال لحفص بن غياث ـ بعد الحكم بأنّ اليد دليل الملك ، ويجوز الشهادة بالملك بمجرّد اليد ـ : «إنّه لو لا ذلك لما قام للمسلمين سوق» (٤) ، فيدلّ بفحواه على اعتبار أصالة الصحّة في أعمال

__________________

(١) البحار ٥٨ : ٣٢٠ ، ذيل الحديث ٩ ، وفيه : «ثلاث لا يسلم منها أحد ... الخ» ، راجع مبحث البراءة ٢ : ٣٧.

(٢) انظر عوائد الأيّام : ٢٢١ و ٢٢٢.

(٣) انظر الصفحة ٣٧٤.

(٤) الوسائل ١٨ : ٢١٥ ، الباب ٢٥ من أبواب كيفيّة الحكم ، الحديث ٢.

المسلمين ، مضافا إلى دلالته بظاهر اللفظ ؛ حيث إنّ الظاهر أنّ كلّ ما لولاه لزم الاختلال فهو حقّ ؛ لأنّ الاختلال باطل ، والمستلزم للباطل باطل ، فنقيضه حقّ ، وهو اعتبار أصالة الصحّة عند الشكّ في صحّة ما صدر عن الغير.

ويشير إليه أيضا : ما ورد من نفي الحرج (١) ، وتوسعة الدين (٢) ، وذمّ من ضيّقوا على أنفسهم بجهالتهم (٣)(٤).

__________________

(١) المائدة : ٦ ، والحجّ : ٧٨.

(٢) البقرة : ٢٨٦ ، وانظر روايات نفي الحرج ، وروايات التوسعة في عوائد الأيام : ١٧٤ ـ ١٨١.

(٣) الوسائل ٢ : ١٠٧١ ، الباب ٥٠ من أبواب النجاسات ، الحديث ٣.

(٤) في (ت) وحاشيتي (ص) و (ظ) زيادة ، كتب عليها في (ت): «زائد» ، وفي (ص): «نسخة» ، وفي (ظ): «صح» ، وهي ما يلي : «ويمكن الاستدلال بموثّقة مسعدة بن صدقة عن أبي عبد الله عليه‌السلام : «كلّ شيء لك حلال حتّى تعلم أنّه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك ، مثل الثوب يكون عليك قد اشتريته وهو سرقة ، أو مملوك عندك وهو حرّ قد باع نفسه ، أو خدع فبيع ، أو قهر فبيع ، أو امرأة تحتك وهي اختك أو رضيعتك ، والاشياء كلّها على هذا حتّى يستبين لك غير ذلك ، أو تقوم به البيّنة».

فإنّ الحكم بالحليّة عند الشك في الحرمة في هذه الأشياء لا يجمعها إلاّ أصالة الحلّ في تصرفات النّاس وعدم وجوب الاجتناب عنها إلاّ مع العلم أو قيام البيّنة ؛ وذلك لأنّ حلّ الثوب الذي اشتراه مع أصالة عدم تملكه له المقتضية لحرمة التصرف فيه لا وجه له إلاّ اصالة الصحة في تصرف البائع المقتضية للملك. فالحكم بالحلّ وعدم الحرمة ليس من جهة مجرد الشك في حلّ لبس