درس فرائد الاصول - استصحاب

جلسه ۱۶۷: تعارض استصحاب با سایر اصول عملیه ۷

 

بيان ذلك : أنّه لو عملنا باستصحاب النجاسة كنّا قد طرحنا اليقين بطهارة الماء من غير ورود دليل شرعيّ على نجاسته ؛ لأنّ بقاء النجاسة في الثوب لا يوجب زوال الطهارة عن الماء ، بخلاف ما لو عملنا باستصحاب طهارة الماء ؛ فإنّه يوجب زوال نجاسة الثوب بالدليل الشرعيّ ، وهو ما دلّ على أنّ الثوب المغسول بالماء الطاهر يطهر ، فطرح اليقين بنجاسة الثوب (١) لقيام الدليل على طهارته.

هذا ، وقد يشكل (٢) : بأنّ اليقين بطهارة الماء واليقين بنجاسة الثوب المغسول به ، كلّ منهما يقين سابق شكّ في بقائه وارتفاعه ، وحكم الشارع بعدم النقض نسبته إليهما على حدّ سواء ؛ لأنّ نسبة حكم العامّ إلى أفراده على حدّ سواء ، فكيف يلاحظ ثبوت هذا الحكم لليقين بالطهارة أوّلا حتّى يجب نقض اليقين بالنجاسة ، لأنّه مدلوله ومقتضاه؟!

والحاصل : أنّ جعل شمول حكم العامّ لبعض الأفراد سببا لخروج بعض الأفراد عن الحكم أو عن الموضوع ـ كما في ما نحن فيه ـ فاسد ، بعد فرض تساوي الفردين في الفرديّة مع قطع النظر عن ثبوت الحكم.

ويدفع : بأنّ فرديّة أحد الشيئين إذا توقّف على خروج الآخر المفروض الفرديّة عن العموم ، وجب الحكم بعدم فرديّته ، ولم يجز رفع اليد عن العموم ؛ لأنّ رفع اليد حينئذ عنه يتوقّف على شمول العامّ لذلك الشيء المفروض توقّف فرديّته على رفع اليد عن العموم ، وهو دور محال.

__________________

(١) كذا في (ت) و (ه) ، وفي غيره بدل «بنجاسة الثوب» : «بالنجاسة».

(٢) في (ظ) بدل «وقد يشكل» : «فإن قلت بأنّ».

وإن شئت قلت : إنّ حكم العامّ من قبيل لازم الوجود للشكّ السببيّ ، كما هو شأن الحكم الشرعيّ وموضوعه ، فلا يوجد في الخارج إلاّ محكوما ، والمفروض أنّ الشكّ المسبّبيّ أيضا من لوازم وجود ذلك الشكّ ، فيكون حكم العامّ وهذا الشكّ لازمين لملزوم ثالث في مرتبة واحدة ، فلا يجوز أن يكون أحدهما موضوعا للآخر ؛ لتقدّم الموضوع طبعا (١).

الدليل الثالث

الثالث : أنّه لو لم يبن على تقديم الاستصحاب في الشكّ السببيّ كان الاستصحاب قليل الفائدة جدّا ؛ لأنّ المقصود من الاستصحاب غالبا ترتيب الآثار الثابتة للمستصحب ، وتلك الآثار إن كانت موجودة سابقا أغنى استصحابها عن استصحاب ملزومها ، فتنحصر الفائدة في الآثار التي كانت معدومة ، فإذا فرض معارضة الاستصحاب في الملزوم

__________________

(١) لم ترد «ويدفع ـ إلى ـ طبعا» في (ظ) ، وورد بدلها ما يلي : «قلنا : المقتضي لشمول العامّ للشكّ السببيّ موجود ؛ لوجود الموضوع ـ وهو كون القضيّة نقضا لليقين لغير دليل ـ والشكّ المسبّب لا يصلح للمنع ؛ لأنّ وجود المقتضي لدخوله ـ وهو كونه نقضا لليقين لغير دليل ـ موقوف على عدم ثبوت حكم النقض للشكّ السببي ، والمقتضي للأوّل موجود والمانع عنه موقوف على عدم ثبوت الحكم الأوّل ، والمفروض أنّه لا مانع سوى ما ذكر ؛ فيثبت المقتضى ـ بالفتح ـ ، ولو لا حكم العقل بهذا لم يكن وجه لتقديم الدليل على الأصل ، فدفع توهّم التعارض بين دليليهما. والحاصل : أنّ العامّ إذا توقّف فرديّة شيء له على عدم ثبوت حكمه لبعض أفراده المعلوم الفرديّة ، لم يصلح للدخول تحت العامّ ؛ لأنّ الشيء إذا توقّف منعه على عدم ثبوت المقتضى للمقتضي ـ بالكسر ـ لم يصلح أن يكون مانعا عنه للزوم الدور».

باستصحاب عدم تلك اللوازم والمعاملة معها على ما يأتي في الاستصحابين المتعارضين (١) ، لغى الاستصحاب في الملزوم وانحصرت الفائدة في استصحاب الأحكام التكليفيّة التي يراد بالاستصحاب إبقاء أنفسها في الزمان اللاحق.

عدم تمامية الدليل الثالث

ويرد عليه : منع عدم الحاجة إلى الاستصحاب في الآثار السابقة ؛ بناء على أنّ إجراء الاستصحاب في نفس تلك الآثار موقوف على إحراز الموضوع لها وهو مشكوك فيه ، فلا بدّ (٢) من استصحاب الموضوع ، إمّا ليترتّب عليه تلك الآثار ، فلا يحتاج إلى استصحاب أنفسها المتوقّفة على بقاء الموضوع يقينا ، كما حقّقنا سابقا في مسألة اشتراط بقاء الموضوع (٣) ، وإمّا لتحصيل شرط الاستصحاب في نفس تلك الآثار ، كما توهّمه بعض فيما قدّمناه سابقا (٤) : من أنّ بعضهم تخيّل أنّ موضوع المستصحب يحرز بالاستصحاب فيستصحب.

والحاصل : أنّ الاستصحاب في الملزومات محتاج إليه على كلّ تقدير.

الدليل الرابع

الرابع : أنّ المستفاد من الأخبار عدم الاعتبار باليقين السابق في مورد الشكّ المسبّب. بيان ذلك : أنّ الإمام عليه‌السلام علّل وجوب البناء على الوضوء

__________________

(١) وهو التساقط ، كما سيأتي في الصفحة ٤٠٧.

(٢) في (ص) زيادة : «فيه».

(٣) راجع الصفحة ٢٩٢ ـ ٢٩٣.

(٤) هو صاحب الفصول ، راجع الصفحة ٢٩١.

السابق في صحيحة زرارة ، بمجرّد كونه متيقّنا سابقا غير متيقّن الارتفاع في اللاحق. وبعبارة اخرى : علّل بقاء الطهارة المستلزم لجواز الدخول في الصلاة بمجرّد الاستصحاب. ومن المعلوم أنّ مقتضى استصحاب الاشتغال بالصلاة عدم براءة الذمّة بهذه الصلاة ، حتّى أنّ بعضهم (١) جعل استصحاب الطهارة وهذا الاستصحاب من الاستصحابين المتعارضين ، فلو لا عدم جريان هذا الاستصحاب ، وانحصار الاستصحاب في المقام باستصحاب الطهارة لم يصحّ تعليل المضيّ على الطهارة بنفس الاستصحاب ؛ لأنّ تعليل تقديم أحد الشيئين على الآخر بأمر مشترك بينهما قبيح ، بل أقبح من الترجيح بلا مرجّح.

لا تأمل في ترجيح الاستصحاب السببي

وبالجملة : فأرى المسألة غير محتاجة إلى إتعاب النظر ؛ ولذا لا يتأمّل العامّي بعد إفتائه باستصحاب الطهارة في الماء المشكوك ، في رفع الحدث والخبث به وبيعه وشرائه وترتيب الآثار المسبوقة بالعدم عليه.

هذا كلّه إذا عملنا بالاستصحاب (٢) من باب الأخبار.

لو عملنا بالاستصحاب من باب الظنّ فالحكم أوضح

وأمّا لو عملنا به من باب الظنّ ، فلا ينبغي الارتياب فيما ذكرنا ؛ لأنّ الظنّ بعدم اللازم مع فرض الظنّ بالملزوم محال عقلا. فإذا فرض حصول الظنّ بطهارة الماء عند الشكّ ، فيلزمه عقلا الظنّ بزوال النجاسة عن الثوب. والشكّ في طهارة الماء ونجاسة الثوب وإن كانا في زمان واحد ، إلاّ أنّ الأوّل لمّا كان سببا للثاني ، كان حال الذهن في الثاني تابعا لحاله بالنسبة إلى الأوّل ، فلا بدّ من حصول الظنّ بعدم النجاسة في

__________________

(١) هو المحقّق قدس‌سره ، في المعتبر ١ : ٣٢ ، كما سيأتي في الصفحة اللاحقة.

(٢) في (ر) ، (ص) و (ظ) بدل «بالاستصحاب» : «باستصحاب الطهارة».