درس فرائد الاصول - استصحاب

جلسه ۱۶۹: تعارض استصحاب با سایر اصول عملیه ۹

 

المستصحبة. وقد عرفت (١) أنّ المنصوص في صحيحة زرارة العمل باستصحاب الطهارة على وجه يظهر منه خلوّه عن المعارض ، وعدم جريان استصحاب الاشتغال.

وحكي عن العلاّمة ـ في بعض كتبه (٢) ـ الحكم بطهارة الماء القليل الواقع فيه صيد مرميّ لم يعلم استناد موته إلى الرمي ، لكنّه اختار في غير واحد من كتبه (٣) الحكم بنجاسة الماء ، وتبعه عليه الشهيدان (٤) وغيرهما (٥). وهو المختار ؛ بناء على ما عرفت تحقيقه (٦) ، وأنّه إذا ثبت بأصالة عدم التذكية موت الصيد جرى عليه جميع أحكام الميتة التي منها انفعال الماء الملاقي له.

نعم ربما قيل (٧) : إنّ تحريم الصيد إن كان لعدم العلم بالتذكية فلا يوجب تنجيس الملاقي ، وإن كان للحكم عليه شرعا بعدمها اتّجه الحكم بالتنجيس.

ومرجع الأوّل إلى كون حرمة الصيد مع الشكّ في التذكية للتعبّد ؛

__________________

(١) راجع الصفحة ٥٨١.

(٢) انظر التحرير : ٦ ، وحكاه عنه في مفتاح الكرامة ١ : ١٣٣.

(٣) انظر قواعد الأحكام ١ : ١٩٠ ، ونهاية الإحكام ١ : ٢٥٦ ، والمنتهى ١ : ١٧٣.

(٤) انظر الذكرى ١ : ١٠٦ ، والبيان : ١٠٣ ، وتمهيد القواعد : ٢٨٩ ـ ٢٩٠.

(٥) مثل فخر الدين في الإيضاح ١ : ٢٥ ، والفاضل الهندي في كشف اللثام ١ : ٣٧٩.

(٦) من تقدّم الاستصحاب في الشكّ السببيّ ، راجع الصفحة ٣٩٤.

(٧) القائل هو المحقّق الثاني في جامع المقاصد ١ : ١٥٦.

من جهة الأخبار المعلّلة (١) لحرمة أكل الميتة بعدم العلم بالتذكية (٢). وهو حسن لو لم يترتّب عليه من أحكام الميتة إلاّ حرمة الأكل ، ولا أظنّ أحدا يلتزمه ، مع أنّ المستفاد من حرمة الأكل كونها ميتة ، لا التحريم تعبّدا ؛ ولذا استفيد بعض ما يعتبر في التذكية من النهي عن الأكل بدونه (٣).

تصريح بعضهم بالجمع بين الاستصحابين «السببي والمسبّبي»

ثمّ إنّ بعض من يرى التعارض بين الاستصحابين في المقام (٤) صرّح بالجمع بينهما ، فحكم في مسألة الصيد بكونه ميتة والماء طاهرا.

عدم صحّة الجمع

ويرد عليه : أنّه لا وجه (٥) للجمع في مثل هذين الاستصحابين ؛ فإنّ الحكم بطهارة الماء إن كان بمعنى ترتيب آثار الطهارة من رفع الحدث والخبث به ، فلا ريب أنّ نسبة استصحاب بقاء الحدث والخبث إلى استصحاب طهارة الماء ، بعينها نسبة استصحاب طهارة الماء إلى استصحاب عدم التذكية. وكذا الحكم بموت الصيد ، فإنّه إن كان بمعنى انفعال الملاقي له بعد ذلك والمنع عن استصحابه في الصلاة ، فلا ريب أنّ استصحاب طهارة الملاقي واستصحاب جواز الصلاة معه قبل زهاق

__________________

(١) انظر الوسائل ١٦ : ٢١٥ ، الباب ٥ من أبواب الصيد ، الحديث ٢.

(٢) كذا في (ت) ، وفي غيره : «بتذكيته».

(٣) كالتسمية ، لما ورد من النهي عن الأكل ممّا لم يذكر اسم الله عليه في سورة الأنعام : ١٢١.

(٤) كالعلاّمة في بعض كتبه كما تقدّم ، والمحقق الثاني في جامع المقاصد ١ : ١٥٦ ، والسيد الصدر في شرح الوافية (مخطوط) : ٣٦٥ ـ ٣٦٦.

(٥) في (ر) ، (ظ) ونسخة بدل (ص): «لا معنى».

روحه ، نسبتهما إليه كنسبة استصحاب طهارة الماء إليه.

وممّا ذكرنا يظهر النظر فيما ذكره في الإيضاح ـ تقريبا للجمع بين الأصلين ـ في الصيد الواقع في الماء القليل ، من أنّ لأصالة الطهارة حكمين : طهارة الماء ، وحلّ الصيد ، ولأصالة الموت حكمان : لحوق أحكام الميتة للصيد ، ونجاسة الماء ، فيعمل بكلّ من الأصلين في نفسه لأصالته (١) ، دون الآخر لفرعيّته فيه (٢) ، انتهى.

وليت شعري! هل نجاسة الماء إلاّ من أحكام الميتة؟ فأين الأصالة والفرعيّة؟

وتبعه في ذلك بعض من عاصرناه (٣) ، فحكم في الجلد المطروح بأصالة الطهارة وحرمة الصلاة فيه. ويظهر ضعف ذلك ممّا تقدّم (٤).

وأضعف من ذلك حكمه في الثوب الرطب المستصحب النجاسة المنشور على الأرض ، بطهارة الأرض ؛ إذ لا دليل على أنّ النجس بالاستصحاب منجّس (٥).

وليت شعري! إذا لم يكن النجس بالاستصحاب منجّسا ، ولا الطاهر به مطهّرا ، فكان كلّ ما ثبت بالاستصحاب لا دليل على ترتيب آثار الشيء الواقعيّ عليه ؛ لأنّ الأصل عدم تلك الآثار ، فأيّ فائدة في الاستصحاب؟!

__________________

(١) في المصدر زيادة : «فيه».

(٢) إيضاح الفوائد ١ : ٢٤ و ٢٥.

(٣) هو المحقّق القمّي في القوانين ٢ : ٧٦ و ٧٩.

(٤) في الصفحة السابقة.

(٥) القوانين ٢ : ٧٩.