درس الروضة البهیة (فقه ۳) (المتاجر - المساقاة)

جلسه ۴۱: بیع حیوان (۲)

 

﴿ ولو شرط فسقط قبل القبض رجع ﴾ المشتري من الثمن ﴿ بنسبته ﴾ لفوات بعض المبيع ﴿ بأن يقوّم حاملاً ومجهضاً ﴾ أي مسقطاً، لا حائلاً؛ للاختلاف ومطابقة الأوّل للواقع. ويرجع بنسبة التفاوت بين القيمتين من الثمن.

﴿ ويجوز ابتياع جزءٍ مشاع من الحيوان ﴾ كالنصف والثلث ﴿ لا معيّن ﴾ كالرأس والجلد، ولا يكون شريكاً بنسبة قيمته على الأصحّ؛ لضعف مستند الحكم بالشركة (١) وتحقّق الجهالة، وعدم القصد إلى الإشاعة، فيبطل البيع بذلك، إلّا أن يكون مذبوحاً، أو يراد ذبحه، فيقوى صحّة الشرط.

﴿ ويجوز النظر إلى وجه المملوكة إذا أراد شراءها، وإلى محاسنها ﴾ وهي مواضع الزينة ـ كالكفّين والرجلين والشعر ـ وإن لم يأذن المولى. ولا تجوز الزيادة عن ذلك إلّا بإذنه، ومعه يكون تحليلاً يتبع ما دلّ عليه لفظه حتّى العورة. ويجوز مسّ ما اُبيح له نظره مع الحاجة. وقيل: يباح له النظر إلى ما عدا العورة بدون الإذن (٢) وهو بعيد.

﴿ ويستحّب تغيير اسم المملوك عند شرائه ﴾ أي بعده، وقوّى في الدروس اطّراده في الملك الحادث مطلقاً (٣) ﴿ والصدقة عنه بأربعة دراهم ﴾ شرعيّة ﴿ وإطعامه ﴾ شيئاً ﴿ حلواً ﴾.

﴿ ويكره وطء ﴾ الأمة ﴿ المولودة من الزنا بالملك أو بالعقد ﴾ للنهي عنه

__________________

(١) مستنده رواية السكوني، راجع الوسائل ١٣:٤٩، الباب ٢٢ من أبواب بيع الحيوان، الحديث ٢.

(٢) قد يستفاد هذا القول من كلام العلّامة في التذكرة ١٠:٣٣٨، كما نسبه إليه في المسالك ٣:٣٨١.

(٣) الدروس ٣:٢٢٤.

في الخبر، معلّلاً بأنّ ولد الزنا لا يفلح وبالعار (١) وقيل: يحرم بناءً على كفره (٢) وهو ممنوع.

﴿ والعبد لا يملك ﴾ شيئاً مطلقاً على الأقوى، عملاً بظاهر الآية (٣) والأكثر على أنّه يملك في الجملة، فقيل: فاضل الضريبة (٤) وهو مروّي (٥) وقيل: أرش الجناية (٦) وقيل: ما ملّكه مولاه معهما (٧) وقيل: مطلقاً (٨) لكنّه محجور عليه بالرقّ، استناداً إلى أخبار (٩) يمكن حملها على إباحة تصرّفه في ذلك بالإذن، جمعاً.

وعلى الأوّل ﴿ فلو اشتراه ومعه مال فللبايع ﴾ لأنّ الجميع مال المولى، فلا يدخل في بيع نفسه؛ لعدم دلالته عليه ﴿ إلّا بالشرط، فيراعى فيه شروط

__________________

(١) مستدرك الوسائل ١٧:٤٣٣، الباب ٢٥ من أبواب كتاب الشهادات، الحديث ٥، والوسائل ١٤:٣٣٨، الباب ١٤ من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث ٨.

(٢) قاله ابن إدريس في السرائر ٢:٣٥٣.

(٣) النحل:٧٥.

(٤) ذهب إليه المحقّق في المختصر النافع:١٣٢.

(٥) الوسائل ١٣:٣٤، الباب ٩ من أبواب بيع الحيوان، الحديث الأوّل.

(٦) نسب ذلك الفاضل الآبي والصيمري إلى الشيخ، اُنظر النهاية:٥٤٣، وكشف الرموز ١:٥١٢، وغاية المرام ٢:١٠٤.

(٧) يعني مع فاضل الضريبة وأرش الجناية، قاله الشيخ في النهاية:٥٤٣ كما نسبه إليه الشهيد في غاية المراد ٢:١٣٠، والصيمري في غاية المرام ٢:١٠٤، إلّا أنّه قال: يملك التصرّف لا رقبة المال.

(٨) قاله المحقّق في الشرايع ٢:٥٨.

(٩) اُنظر الوسائل ١٦:٢٨ ـ ٢٩، الباب ٢٤ من كتاب العتق، و ٥٥، الباب ٥١.

المبيع ﴾ من كونه معلوماً لهما أو ما في حكمه (١) وسلامته من الربا ـ بأن يكون الثمن مخالفاً لجنسه الربويّ، أو زائداً عليه ـ وقبض مقابل الربويّ في المجلس، وغيرها.

﴿ ولو جعل العبد ﴾ لغيره ﴿ جُعلاً على شرائه لم يلزم ﴾ لعدم صحّة تصرّفه بالحَجر وعدم الملك. وقيل: يلزم إن كان له مال بناءً على القول بملكه (٢) وهو ضعيف.

﴿ ويجب ﴾ على البائع ﴿ استبراء الأمة قبل بيعها ﴾ إن كان قد وطئها وإن عزل ﴿ بحيضة أو مضيّ خمسة وأربعين يوماً في من لا تحيض وهي في سنّ من تحيض *. ويجب على المشتري أيضاً استبراؤها ﴾.

﴿ إلّا أن يخبره الثقة بالاستبراء ﴾ والمراد بالثقة: العدل، وإنّما عبّر به تبعاً للرواية (٣) مع احتمال الاكتفاء بمن تسكن النفس إلى خبره. وفي حكم إخباره له بالاستبراء إخباره بعدم وطئها. ﴿ أو تكون لامرأة ﴾ وإن أمكن تحليلها لرجل؛ لإطلاق النصّ (٤) ولا يلحق بها العنّين والمجبوب والصغير الذي لا يمكن في حقّه الوطء وإن شارك فيما ظنّ كونه علّة؛ لبطلان القياس. وقد يجعل بيعها من امرأة ثم شراؤُها منها وسيلة إلى إسقاط الاستبراء، نظراً إلى إطلاق النص، من غير التفات إلى التعليل بالأمن من وطئها؛ لأنّها ليست منصوصة، ومنع العلّة المستنبطة وإن

__________________

(١) مثل أن يكون تابعاً، أو ممّا تكفي فيه المشاهدة.

(٢) النهاية:٤١٢.

(*) في (ق) و (س) : وهي في سنّ المحيض.

(٣) الوسائل ١٤:٥٠٣، الباب ٦ من أبواب نكاح العبيد والإماء، الأحاديث ١ و ٣ و ٤.

(٤) المصدر المتقدم:٥٠٤، الباب ٧، الحديث الأوّل.

كانت مناسبة ﴿ أو تكون يائسة ﴾ أو صغيرة، أو حائضاً، إلّا زمان حيضها وإن بقي منه لحظة.

﴿ واستبراء الحامل بوضع الحمل ﴾ مطلقاً؛ لإطلاق النهي عن وطئها في بعض الأخبار حتى تضع ولدها (١) واستثنى في الدروس ما لو كان الحمل عن زنا فلا حرمة له (٢) والأقوى الاكتفاء بمضيّ أربعة أشهر وعشرة أيّام لحملها وكراهة وطئها بعدها، إلّا أن يكون من زنا فيجوز مطلقاً على كراهية، جمعاً بين الأخبار الدالّ بعضها على المنع مطلقاً كالسابق، وبعض على التحديد بهذه الغاية (٣) بحمل الزائد على الكراهة.

﴿ ولا يحرم في مدّة الاستبراء غير الوطء ﴾ قبلا ودبراً من الاستمتاع على الأقوى، للخبر الصحيح (٤) وقيل: يحرم الجميع (٥) ولو وطئ في زمن الاستبراء أثم وعزّر مع العلم بالتحريم، ولحق بها الولد؛ لأنّه فراش كوطئها حائضاً. وفي سقوط الاستبراء حينئذ وجه؛ لانتفاء فائدته حيث قد اختلط الماءان. والأقوى وجوب الاجتناب بقيّة المدّة؛ لإطلاق النهي فيها. ولو وطئ الحامل بعد مدّة الاستبراء عزل، فإن لم يفعل كره بيع الولد، واستحبّ له عزل قسط من ماله يعيش به؛ للخبر معلّلاً بتغذيته بنطفته وأ نّه شارك في إتمامه (٦) وليس في الأخبار تقدير القسط.

__________________

(١) الوسائل ١٤:٥٠٥، الباب ٨ من أبواب نكاح العبيد والإماء، الحديث الأوّل.

(٢) الدروس ٣:٢٢٨.

(٣) الوسائل ١٤:٥٠٥، الباب ٨ من أبواب نكاح العبيد والإماء، الحديث ٣.

(٤) المصدر السابق:٥٠٤، الباب ٦ من أبواب نكاح العبيد والإماء، الحديث ٥.

(٥) قاله الشيخ في المبسوط ٢:١٤٠.

(٦) الوسائل ١٤:٥٠٧، الباب ٩ من أبواب نكاح العبيد والإماء، الحديث ٢.

وفي بعضها: أنّه يعتقه ويجعل له شيئاً يعيش به؛ لأنّه غذّاه بنطفته (١).

وكما يجب الاستبراء في البيع يجب في كلّ ملك زائل وحادث بغيره من العقود وبالسبي والإرث، وقصره على البيع ضعيف. ولو باعها من غير استبراء أثم وصحّ البيع وغيره. ويتعيّن حينئذ تسليمها إلى المشتري ومن في حكمه إذا طلبها؛ لصيرورتها ملكاً له. ولو أمكن إبقاؤُها برضاه مدّة الاستبراء ـ ولو بالوضع في يد عدل ـ وجب، ولا يجب على المشتري الإجابة.

﴿ ويكره التفرقة بين الطفل والاُمّ قبل سبع سنين ﴾ في الذكر والاُنثى. وقيل: يكفي في الذكر حولان (٢) وهو أجود؛ لثبوت ذلك في حضانة الحرّة، ففي الأمة أولى؛ لفقد النصّ هنا. وقيل: يحرم التفريق في المدّة (٣) لتضافر الأخبار بالنهي عنه (٤) وقد قال صلى‌الله‌عليه‌وآله: «من فرّق بين والدة وولدها فرّق اللّٰه بينه وبين أحبّته» (٥) ﴿ والتحريم أحوط ﴾ بل أقوى.

وهل يزول التحريم أو (٦) الكراهة برضاهما أو رضى الاُمّ؟ وجهان، أجودهما ذلك. ولا فرق بين البيع وغيره على الأقوى. وهل يتعدّى الحكم إلى غير الاُمّ من الأرحام المشاركة لها في الاستئناس

__________________

(١) الوسائل ١٤:٥٠٧، الباب ٩ من أبواب نكاح العبيد والإماء، الحديث ١ و ٣.

(٢) ذهب إليه الشيخ في النهاية:٥٠٣ ـ ٥٠٤، وابن إدريس في السرائر ٢:٦٥١ وغيرهما.

(٣) قاله المفيد في المقنعة:٦٠١، والشيخ في النهاية:٤١٠، وسلّار في المراسم:١٧٨، وغيرهم.

(٤) الوسائل ١٣:٤١، الباب ١٣ من أبواب بيع الحيوان.

(٥) مستدرك الوسائل ١٣:٣٧٥، الباب ١٠ من أبواب بيع الحيوان، الحديث ٤، وفيه: «وبين أحبّائه في الجنة».

(٦) في (ع) بدل «أو» : و.

والشفقة، كالاُخت والعمّة والخالة؟ قولان (١) أجودهما ذلك؛ لدلالة بعض الأخبار (٢) عليه. ولا يتعدّى الحكم إلى البهيمة؛ للأصل، فيجوز التفرقة بينهما بعد استغنائه عن اللبن مطلقاً، وقبله إن كان ممّا يقع عليه الذكاة، أو كان له ما يمونه من غير لبن اُمّه. وموضع الخلاف بعد سقي الاُمّ اللِبأ (٣) أمّا قبله فلا يجوز مطلقاً؛ لما فيه من التسبّب إلى هلاك الولد، فإنّه لا يعيش بدونه، على ما صرّح به جماعة (٤).

﴿ وهنا مسائل ﴾

﴿ الاُولى ﴾ :

﴿ لو حدث في الحيوان عيب قبل القبض فللمشتري الردّ والأرش ﴾ أمّا الردّ فموضع وفاق، وأمّا الأرش فهو أصحّ القولين (٥) لأنّه عوض عن جزء فائت، وإذا كانت الجملة مضمونة على البائع قبل القبض فكذا أجزاؤُها. ﴿ وكذا ﴾ لو حدث ﴿ في زمن الخيار ﴾ المختصّ بالمشتري أو المشترك بينه وبين البائع أو غيره؛ لأنّ الجملة فيه مضمونة على البائع أيضاً. أمّا لو كان الخيار مختصّاً بالبائع

__________________

(١) قول بالتحريم أو الكراهة، كما في المبسوط ٢:٢١، والتذكرة ١٠:٣٣٦، وجامع المقاصد ٤:١٥٨ ـ ١٥٩. وقول بالجواز وعدم التحريم والكراهة، كما في التحرير ٢:٤٠٩.

(٢) اُنظر الوسائل ١٣:٤١، الباب ١٣ من أبواب بيع الحيوان، الحديث الأوّل.

(٣) اللِبَأ ـ كعنب ـ أوّل اللبن عند الولادة.

(٤) منهم العلّامة في التذكرة ١٠:٣٣٥، والكركي في جامع المقاصد ٤:١٥٨.

(٥) القول بجواز أخذ الأرش للشيخ في النهاية:٣٩٥، والمحقّق في الشرايع ٢:٣٦، والعلّامة في التذكرة ١١:٨٣. وأمّا القول بعدم الأرش فهو للشيخ في الخلاف ٣:١٠٩، المسألة ١٧٨، وابن إدريس في السرائر ٢:٣٠٥، واختاره المحقّق في نكت النهاية ٢:١٦٢.

أو مشتركاً بينه وبين أجنبيّ، فلا خيار للمشتري.

هذا إذا كان التعيّب من قِبل اللّٰه تعالى أو من البائع. ولو كان من أجنبيّ فللمشتري عليه الأرش خاصّة ولو كان بتفريط المشتري فلا شيء ﴿ وكذا ﴾ الحكم في ﴿ غير الحيوان ﴾.

بل في تلف المبيع أجمع، إلّا أنّ الرجوع فيه بمجموع القيمة. فإن كان التلف من قِبل اللّٰه تعالى والخيار للمشتري ولو بمشاركة غيره فالتلف من البائع، وإلّا فمن المشتري. وإن كان التلف من البائع أو من أجنبيّ وللمشتري خيار واختار الفسخ والرجوع بالثمن، وإلّا رجع على المتلف بالمثل أو القيمة. ولو كان الخيار للبائع والمتلف أجنبيّ أو المشتري تخيّر ورجع على المتلف.

﴿ الثانية ﴾ :

﴿ لو حدث ﴾ في الحيوان ﴿ عيب من غير جهة المشتري في زمن الخيار فله الردّ بأصل الخيار ﴾ لأنّ العيب الحادث غير مانع منه هنا؛ لأنّه مضمون على البائع فلا يكون مؤثّراً في رفع الخيار. ﴿ والأقرب جواز الردّ بالعيب أيضاً ﴾ لكونه مضموناً.

﴿ وتظهر الفائدة لو أسقط الخيار الأصلي والمشترط ﴾ فله الردّ بالعيب. وتظهر الفائدة أيضاً في ثبوت الخيار بعد انقضاء الثلاثة وعدمه، فعلى اعتبار خيار الحيوان خاصّة يسقط الخيار، وعلى ما اختاره المصنّف رحمه‌الله يبقى؛ إذ لا يتقيّد خيار العيب بالثلاثة وإن اشترط حصوله في الثلاثة فما قبلها، وغايته ثبوته فيها بسببين، وهو غير قادح، فإنّها معرّفات يمكن اجتماع كثير منها في وقت واحد، كما في خيار المجلس والحيوان والشرط والغبن إذا اجتمعت في عين واحدة قبل التفرّق.