درس الروضة البهیة (فقه ۳) (المتاجر - المساقاة)

جلسه ۴۲: بیع حیوان (۳) بیع ثمره (۱)

 

أو مشتركاً بينه وبين أجنبيّ، فلا خيار للمشتري.

هذا إذا كان التعيّب من قِبل اللّٰه تعالى أو من البائع. ولو كان من أجنبيّ فللمشتري عليه الأرش خاصّة ولو كان بتفريط المشتري فلا شيء ﴿ وكذا ﴾ الحكم في ﴿ غير الحيوان ﴾.

بل في تلف المبيع أجمع، إلّا أنّ الرجوع فيه بمجموع القيمة. فإن كان التلف من قِبل اللّٰه تعالى والخيار للمشتري ولو بمشاركة غيره فالتلف من البائع، وإلّا فمن المشتري. وإن كان التلف من البائع أو من أجنبيّ وللمشتري خيار واختار الفسخ والرجوع بالثمن، وإلّا رجع على المتلف بالمثل أو القيمة. ولو كان الخيار للبائع والمتلف أجنبيّ أو المشتري تخيّر ورجع على المتلف.

﴿ الثانية ﴾ :

﴿ لو حدث ﴾ في الحيوان ﴿ عيب من غير جهة المشتري في زمن الخيار فله الردّ بأصل الخيار ﴾ لأنّ العيب الحادث غير مانع منه هنا؛ لأنّه مضمون على البائع فلا يكون مؤثّراً في رفع الخيار. ﴿ والأقرب جواز الردّ بالعيب أيضاً ﴾ لكونه مضموناً.

﴿ وتظهر الفائدة لو أسقط الخيار الأصلي والمشترط ﴾ فله الردّ بالعيب. وتظهر الفائدة أيضاً في ثبوت الخيار بعد انقضاء الثلاثة وعدمه، فعلى اعتبار خيار الحيوان خاصّة يسقط الخيار، وعلى ما اختاره المصنّف رحمه‌الله يبقى؛ إذ لا يتقيّد خيار العيب بالثلاثة وإن اشترط حصوله في الثلاثة فما قبلها، وغايته ثبوته فيها بسببين، وهو غير قادح، فإنّها معرّفات يمكن اجتماع كثير منها في وقت واحد، كما في خيار المجلس والحيوان والشرط والغبن إذا اجتمعت في عين واحدة قبل التفرّق.

﴿ وقال الفاضل نجم الدين أبو القاسم ﴾ جعفر بن سعيد رحمه‌الله ﴿ في الدرس ﴾ على ما نقل عنه (١) : ﴿ لا يردّ إلّابالخيار، وهو ينافي حكمه في الشرائع بأنّ الحدث ﴾ الموجب لنقص الحيوان ﴿ في الثلاثة من مال البائع ﴾ وكذا التلف (٢) ﴿ مع حكمه ﴾ فيها بعد ذلك بلا فصل ﴿ بعدم الأرش فيه ﴾ فإنّه إذا كان مضموناً على البائع كالجملة لزمه الحكم بالأرش ـ إذ لا معنى لكون الجزء مضموناً إلّا ثبوت أرشه؛ لأنّ الأرش عوض الجزء الفائت ـ أو التخيير بينه وبين الردّ، كما أنّ ضمان الجملة يقتضي الرجوع بمجموع عوضها وهو الثمن.

والأقوى التخيّر (٣) بين الردّ والأرش كالمتقدّم (٤) لاشتراكهما في ضمان البائع وعدم المانعيّة من الردّ، وهو المنقول عن شيخه نجيب الدين بن نما رحمه‌الله (٥).

ولو كان حدوث العيب بعد الثلاثة منع الردّ بالعيب السابق، لكونه غير مضمون على البائع مع تغيّر المبيع، فإنّ ردّه مشروط ببقائه على ما كان فيثبت في السابق الأرش خاصّة.

﴿ الثالثة ﴾ :

﴿ لو ظهرت الأمة مستحقّة فاُغرم ﴾ المشتري ﴿ الواطئ العشر ﴾ إن كانت بكراً ﴿ أو نصفه ﴾ إن كانت ثيّباً؛ لما تقدّم من جواز رجوع المالك على

__________________

(١) لم نظفر بمن نقل ذلك عن المحقّق في من تقدّم على الشهيد الأوّل.

(٢) الشرائع ٢:٥٧.

(٣) في (ف) و (ر) : التخيير.

(٤) يعني كالعيب المتقدّم على البيع أو القبض إذا ظهر بعد القبض، فإنّه يوجب التخيير.

(٥) نقله عنه في الدروس ٣:٢٨٩.

المشتري ـ عالماً كان أم جاهلاً ـ بالعين ومنافعها المستوفاة وغيرها، وأنّ ذلك هو عوض بضع الأمة، للنصّ الدالّ على ذلك (١) ﴿ أو مهر المثل ﴾ لأنّه القاعدة الكليّة في عوض البُضع بمنزلة قيمة المثل في غيره، وإطراحاً للنص الدالّ على التقدير بالعشر أو نصفه (٢) وهذا الترديد توقّف من المصنّف في الحكم، أو إشارة إلى القولين (٣) لا تخيير بين الأمرين، والمشهور منهما الأوّل ﴿ و ﴾ اُغرم ﴿ الاُجرة ﴾ عمّا استوفاه من منافعها أو فاتت تحت يده ﴿ وقيمة الولد ﴾ يوم ولادته ولو كان قد أحبلها وولدته حيّاً ﴿ رجع بها ﴾ أي بهذه المذكورات جُمع ﴿ على البائع مع جهله ﴾ بكونها مستحقّة؛ لما تقدّم من رجوع المشتري الجاهل بفساد البيع على البائع بجميع ما يغرمه (٤).

والغرض من ذكر هذه هنا التنبيه على مقدار ما يرجع به مالك الأمة على مشتريها الواطئ لها مع استيلادها. ولا فرق في ثبوت العقر (٥) بالوطء بين علم الأمة بعدم صحّة البيع وجهلها على أصحّ القولين (٦) وهو الذي يقتضيه إطلاق

__________________

(١) و (٢) الوسائل ١٤:٥٧٧ ـ ٥٧٨، الباب ٦٧ من أبواب نكاح العبيد والإماء، الحديث الأوّل.

(٣) قول بغرم العشر إن كانت بكراً ونصف العشر إن كانت ثيباً، وهو للشيخ في الخلاف ٣:١٥٨، المسألة ٢٥١، والمحقّق في الشرايع ٢:٥٩، والعلّامة في التحرير ٢:٤٠٩. وقول بغرم مهر المثل، وهو لابن إدريس في السرائر ٢:٣٤٧ ـ ٣٤٨ و ٥٩٧.

(٤) تقدّم في الصفحة ١٩١ ـ ١٩٢.

(٥) لهذه الكلمة معان، والمراد بها هنا ما يؤخذ بإزاء الوطء.

(٦) اختاره العلّامة في المختلف ٦:١٢٥ ـ ١٢٦، والتذكرة (الحجريّة) ٢:٣٩٦، وأمّا القول بعدم العقر حالة علمها فهو للكركي في جامع المقاصد ٤:٣١٦.

العبارة؛ لأنّ ذلك حقّ للمولى (وَلاٰ تَزِرُ وٰازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرىٰ) (١) ولا تصير بذلك اُمّ ولد؛ لأنّها في نفس الأمر ملك غير الواطئ.

وفي الدروس (٢) : لا يرجع عليه بالمهر إلّا مع الإكراه استناداً إلى أنّه لا مهر لبغيّ (٣) ويضعّف بما مرّ (٤) وأنّ المهر المنفيّ مهر الحرّة بظاهر الاستحقاق (٥) ونسبة المهر، ومن ثمّ يطلق عليها المهيرة. ولو نقصت بالولادة ضمن نقصها مضافاً إلى ما تقدّم. ولو ماتت ضمن القيمة.

وهل يضمن مع ما ذكر أرش البكارة لو كانت بكراً، أم يقتصر على أحد الأمرين؟ (٦) وجهان، أجودهما عدم التداخل؛ لأنّ أحد الأمرين عوض الوطء وأرش البكارة عوض جناية، فلا يدخل أحدهما في الآخر.

ولو كان المشتري عالماً باستحقاقها حال الانتفاع لم يرجع بشيء. ولو علم مع ذلك بالتحريم كان زانياً والولد رقّ، وعليه المهر مطلقاً. ولو اختلفت حاله ـ بأن كان جاهلاً عند البيع ثم تجدّد له العلم ـ رجع بما غرمه حال الجهل وسقط الباقي.

﴿ الرابعة ﴾ :

﴿ لو اختلف مولى مأذون ﴾ وغيره ﴿ في عبد أعتقه المأذون عن الغير، ولا بيّنة ﴾ لمولى المأذون ولا للغير ﴿ حلف المولى ﴾ أي مولى المأذون واسترقّ

__________________

(١) الأنعام:١٦٤.

(٢) الدروس ٣:٢٣٠.

(٣) السنن الكبرى للبيهقي ٦:٦.

(٤) من أنّ المهر حقّ للمولى.

(٥) المستفاد من اللام في قوله: «لبغيّ».

(٦) العشر إن كانت بكراً، ونصف العشر إن كانت ثيّباً.

العبد المعتق؛ لأنّ يده على ما بيد المأذون فيكون قوله مقدّماً على من خرج عند عدم البيّنة.

﴿ ولا فرق بين كونه ﴾ أي العبد الذي أعتقه المأذون ﴿ أباً للمأذون أو لا ﴾ وإن كانت الرواية (١) تضمّنت كونه أباه، لاشتراكهما في المعنى المقتضي لترجيح قول ذي اليد ﴿ ولا بين دعوى مولى الأب شراءه من ماله ﴾ بأن يكون قد دفع للمأذون مالاً يتّجر به فاشترى أباه من سيّده بماله ﴿ وعدمه ﴾ لأنّه على التقدير الأوّل يدّعي فساد البيع، ومدّعي صحّته مقدّم. وعلى الثاني خارج؛ لمعارضة يده القديمة يد المأذون الحادثة فيقدّم، والرواية تضمّنت الأوّل ﴿ ولا بين استئجاره على حجّ وعدمه ﴾ لأنّ ذلك لا مدخل له في الترجيح وإن كانت الرواية تضمّنت الأوّل.

والأصل في هذه المسألة رواية عليّ بن أشيم عن الباقر عليه‌السلام في من دفع إلى مأذون ألفاً ليعتق عنه نسمة ويحجّ عنه بالباقي فأعتق أباه وأحجّه بعد موت الدافع، فادّعى وارثه ذلك، وزعم كلّ من مولى المأذون ومولى الأب أنّه اشتراه بماله، فقال: «إنّ الحجّة تمضي ويردّ رقّاً لمولاه حتى يقيم الباقون بينّة» (٢) وعمل بمضمونها الشيخ (٣) ومن تبعه (٤) ومال إليه في الدروس (٥) والمصنّف هنا وجماعة أطرحوا الرواية، لضعف سندها ومخالفتها لاُصول المذهب في ردّ العبد إلى مولاه

__________________

(١) سيأتي ذكرها.

(٢) الوسائل ١٣:٥٣، الباب ٢٥ من أبواب بيع الحيوان، الحديث الأوّل.

(٣) النهاية:٤١٤.

(٤) وهو القاضي ابن البرّاج على ما نسب إليه في المختلف ٥:٢٤١.

(٥) الدروس ٣:٢٣٣.

مع اعترافه ببيعه ودعواه فساده، ومدّعي الصحّة مقدّم، وهي (١) مشتركة بين الآخرين، إلّا أنّ مولى المأذون أقوى يداً، فيقدّم.

واعتذر في الدروس عن ذلك بأنّ المأذون بيده مالٌ لمولى الأب وغيره، وبتصادم الدعاوي المتكافئة يرجع إلى أصالة بقاء الملك على مالكه، قال: ولا تعارضه فتواهم بتقديم دعوى الصحّة على الفساد؛ لأنّها مشتركة بين متقابلين متكافئين، فتساقطا (٢).

وفيهما نظر؛ لمنع تكافئها مع كون من عدا مولاه خارجاً والداخل مقدّم فسقطا، دونه، ولم يتمّ الأصل. ومنه يظهر عدم تكافؤ الدعويين الاُخريين، لخروج الآمر وورثته عمّا في يد المأذون التي هي بمنزلة يد سيّده، والخارجة لا تكافئ الداخلة فتقدّم. وإقرار المأذون بما في يده لغير المولى غير مسموع فلزم إطراح الرواية. ولاشتمالها على مضيّ الحجّ، مع أنّ ظاهر الأمر حجّه بنفسه ولم يفعل، ومجامعة صحّة الحجّ لعوده رقّاً وقد حجّ بغير إذن سيّده فما اختاره هنا أوضح.

ونبّه بقوله: «ولا بين دعوى مولى الأب شراءه من ماله وعدمه» على خلاف الشيخ ومن تبعه (٣) حيث حكموا بما ذكر مع اعترافهم بدعوى مولى الأب فساد البيع. وعلى خلاف العلّامة (٤) حيث حملها على إنكار مولى الأب البيع لا فسادَه، هرباً من تقديم مدّعي الفساد، والتجاءً إلى تقديم منكر بيع عبده.

__________________

(١) أي دعوى الصحّة.

(٢) الدروس ٣:٢٣٣.

(٣) راجع الهامش رقم ٣ و ٤ من الصفحة السابقة.

(٤) المختلف ٥:٢٤٢.

وقد عرفت ضعف تقديم مدّعي الفساد. ويضعّف الثاني بمنافاته لمنطوق الرواية الدالّة على دعوى كونه اشتري بماله.

هذا كلّه مع عدم البيّنة، ومعها تقدّم إن كانت لواحد. ولو كانت لاثنين أو للجميع بني على تقديم بيّنة الداخل أو الخارج عند التعارض، فعلى الأوّل الحكم كما ذكر، وعلى الثاني يتعارض الخارجان. ويقوى تقديم ورثة الآمر بمرجّح الصحّة.

واعلم أنّ الاختلاف يقتضي تعدّد المختلفين، والمصنّف اقتصر على نسبته إلى مولى المأذون، وكان حقّه إضافة غيره معه، وكأ نّه اقتصر عليه لدلالة المقام على الغير، أو على ما اشتهر من المتنازعين في هذه المادّة.

﴿ الخامسة ﴾ :

﴿ لو تنازع المأذونان بعد شراء كلّ منهما صاحبه في الأسبق ﴾ منهما ليبطل بيع المتأخّر؛ لبطلان الإذن بزوال الملك ﴿ ولا بيّنة ﴾ لهما ولا لأحدهما بالتقدّم ﴿ قيل: يقرع ﴾ والقائل بها مطلقاً غير معلوم، والذي نقله المصنّف وغيره (١) عن الشيخ: القول بها مع تساوي الطريقين (٢) عملاً برواية وردت بذلك (٣) وقيل بها مع اشتباه السابق أو السبق (٤).

﴿ وقيل: يمسح الطريق ﴾ التي سلكها كلّ واحد منهما إلى مولى الآخر،

__________________

(١) الدروس ٣:٢٣٣، والمختلف ٥:٢٣٢.

(٢) النهاية:٤١٢، والاستبصار ٣:٨٣، ذيل الحديث ٢٧٩.

(٣) الوسائل ١٣:٤٦، الباب ١٨ من أبواب بيع الحيوان، الحديث ٢.

(٤) المختلف ٥:٢٣٤.

ويحكم بالسبق لمن طريقه أقرب مع تساويهما في المشي، فان تساويا بطل البيعان، لظهور الاقتران (١).

هذا إذا لم يجز الموليان ﴿ ولو اُجيز عقدهما فلا إشكال ﴾ في صحّتهما.

﴿ ولو تقدّم العقد من أحدهما صحّ خاصّة ﴾ من غير توقّف على إجازة ﴿ إلّا مع إجازة الآخر ﴾ فيصحّ العقدان. ولو كانا وكيلين صحّا معاً.

والفرق بين الإذن والوكالة: أنّ الإذن ما جعلت (٢) تابعة للملك، والوكالة ما أباحت التصرّف المأذون فيه مطلقاً. والفارق بينهما مع اشتراكهما في مطلق الإذن إمّا تصريح المولى بالخصوصيّتين، أو دلالة القرائن عليه. ولو تجرّد اللفظ عن القرينة لأحدهما فالظاهر حمله على الإذن، لدلالة العرف عليه.

واعلم أنّ القول بالقرعة مطلقاً لا يتمّ في صورة الاقتران؛ لأنّها لإظهار المشتبه، ولا اشتباه حينئذٍ، وأولى بالمنع تخصيصها في هذه الحالة. والقول بمسح الطريق مستند إلى رواية (٣) ليست سليمة الطريق. والحكم للسابق مع علمه لا إشكال فيه.

كما أنّ القول بوقوفه مع الاقتران كذلك، ومع الاشتباه تتجّه القرعة. ولكن مع اشتباه السابق يستخرج برقعتين لإخراجه، ومع اشتباه السبق والاقتران ينبغي ثلاث رقع في إحداها الاقتران ليحكم بالوقوف معه.

__________________

(١) قاله المحقّق في المختصر النافع:١٣٣.

(٢) تأنيث الفعل باعتبار معنى الإذن، يعني الرخصة.

(٣) اُنظر الوسائل ١٣:٤٦، الباب ١٨ من أبواب بيع الحيوان، الحديث الأوّل. ولعلّ عدم سلامة طريقها بالحسين بن محمّد وهو مشترك بين الثقة والضعيف ومعلّى بن محمّد فإنّه ضعيف وأبي خديجة أو أبي سلمة فإنّه مجهول. اُنظر فهارس المسالك ١٦:٢٨٨،٢٩٧ وجامع الرواة ٢:٣٨٣ و ٣٩١.

هذا إذا كان شراؤُهما لمولاهما. أمّا لو كان لأنفسهما ـ كما يظهر من الرواية ـ فإن أحلنا ملك العبد بطلا، وإن أجزناه صحّ السابق وبطل المقارن واللاحق حتماً، إذ لا يتصور ملك العبد لسيّده.

﴿ السادسة ﴾ :

﴿ الأمة المسروقة من أرض الصلح لا يجوز شراؤها ﴾ لأنّ مال أهلها محترم به ﴿ فلو اشتراها ﴾ أحد من السارق ﴿ جاهلاً ﴾ بالسرقة أو الحكم ﴿ ردّها ﴾ على بائعها ﴿ واستعاد ثمنها ﴾ منه ﴿ ولو لم يوجد الثمن ﴾ بأن اُعسر البائع، أو امتنع عن ردّه ولم يمكن إجباره، أو بغير ذلك من الأسباب ﴿ ضاع ﴾ على دافعه. ﴿ وقيل (١) : تسعى ﴾ الأمة ﴿ فيه ﴾ لرواية مسكين السّمان عن الصادق عليه‌السلام (٢).

ويضعّف بجهالة الراوي، ومخالفة الحكم للاُصول، حيث إنّها ملك للغير وسعيها كذلك، ومالكها لم يظلمه في الثمن فكيف يستوفيه من سعيها؟ مع أنّ ظالمه لا يستحقّها ولا كسبها، ومن ثمّ نسبه المصنّف إلى القول، تمريضاً له.

ولكن يشكل حكمه بردّها إلّا أن يحمل على ردّها على مالكها، لا على البائع، طرحاً للرواية (٣) الدالّة على ردّها عليه. وفي الدروس استقرب العمل بالرواية المشتملة على ردّها على البائع واستسعائها في ثمنها (٤) لو تعذّر على المشتري أخذه من البائع ووارثه مع موته. واعتذر عن الردّ إليه بأ نّه تكليف له

__________________

(١) قاله الشيخ في النهاية:٤١٤.

(٢) و (٣) الوسائل ١٣:٥٠، الباب ٢٣ من أبواب بيع الحيوان، الحديث الأوّل.

(٤) الدروس ٣:٢٣٢.

ليردّها إلى أهلها، إمّا لأنه سارق، أو لأنّه ترتّبت يده عليه، وعن استسعائها بأنّ فيه جمعاً بين حق المشتري وحقّ صاحبها، نظراً إلى أنّ مال الحربي فيء في الحقيقة وإنّما صار محترماً بالصلح احتراماً عرضيّاً، فلا يعارض ذهاب مال محترم في الحقيقة.

ولا يخفى أنّ مثل ذلك لا يصلح لتأسيس مثل هذا الحكم، وتقريبه للنصّ إنّما يتمّ لو كانت الرواية ممّا تصلح للحجّة، وهي بعيدة عنه. وتكليف البائع بالردّ لا يقتضي جواز دفعها إليه كما في كلّ غاصب. وقِدَم يده لا أثر له في هذا الحكم، وإلّا لكان الغاصب من الغاصب يجب عليه الردّ إليه، وهو باطل. والفرق في المال بين المحترم بالأصل والعارض لا مدخل له في هذا الترجيح مع اشتراكهما في التحريم وكون المتلف للثمن ليس هو مولى الأمة، فكيف يستوفى من ماله؟ وينتقض بمال أهل الذمّة، فإنّ تحريمه عارض ولا يرجّح عليه مال المسلم المحترم بالأصل عند التعارض.

والأقوى إطراح الرواية بواسطة «مسكين» وشهرتها لم تبلغ حدّ وجوب العمل بها، وإنّما عمل بها الشيخ (١) على قاعدته (٢) واشتهرت بين أتباعه (٣) وردّها المستنبطون (٤) لمخالفتها للاُصول.

والأقوى وجوب ردّ المشتري لها على مالكها أو وكيله أو وارثه، ومع

__________________

(١) النهاية:٤١٤.

(٢) وهي العمل بالرواية الضعيفة إذا حصل بها الوثوق في الجملة.

(٣) نقل العلّامة في المختلف ٥:٢٤٠ عن ابن البرّاج القول بها تبعاً للشيخ.

(٤) أي الحلّيّون كما في الدروس ٣:٢٣٣، وهم ابن ادريس في السرائر ٢:٣٥٦، والمحقّق في الشرائع ٢:٦١، والعلّامة في المختلف ٥:٢٤٠.

التعذّر على الحاكم. وأمّا الثمن فيطالب به البائع مع بقاء عينه مطلقاً، ومع تلفه إن كان المشتري جاهلاً بسرقتها، ولا تستسعي الأمة مطلقاً.

﴿ السابعة ﴾ :

﴿ لا يجوز بيع عبد من عبدين ﴾ من غير تعيين، سواء كانا متساويين في القيمة والصفات أم مختلفين؛ لجهالة المبيع المقتضية للبطلان ﴿ ولا ﴾ بيع ﴿ عبيد ﴾ كذلك؛ للعلّة. وقيل: يصحّ مطلقاً (١) استناداً إلى ظاهر رواية ضعيفة (٢) وقيل: يصحّ مع تساويهما من كلّ وجه كما يصحّ بيع قفيز من صُبرة متساوية الأجزاء (٣) ويضعّف بمنع تساوي العبدين على وجه يلحق بالمثليّ. وضعف الصحّة مطلقاً واضح.

﴿ ويجوز شراؤه ﴾ أي شراء العبد ﴿ موصوفاً ﴾ على وجه ترتفع الجهالة ﴿ سلَماً ﴾ لأنّ ضابط المسلَم فيه ما يمكن ضبطه كذلك، وهو منه كغيره من الحيوان إلّا ما يستثنى ﴿ والأقرب جوازه ﴾ موصوفاً ﴿ حالّاً ﴾ لتساويهما في المعنى المصحّح للبيع ﴿ فلو ﴾ باعه عبداً كذلك و (دفع إليه عبدين للتخيّر (٤) ﴾ أي ليتخيّر ما شاء منهما ﴿ فأبق أحدهما ﴾ من يده ﴿ بُني ﴾ ضمان الآبق ﴿ على

__________________

(١) قاله الشيخ في الخلاف ٣:٣٨ المسألة ٥٤.

(٢) الوسائل ١٣:٤٤، الباب ١٦ من أبواب بيع الحيوان وفيه حديث واحد. ولعلّ ضعفها بابن أبي حبيب في طريق الكافي والفقيه وهو مجهول. اُنظر جامع الرواة ٢:٤٢٨ أو بالسكوني في طريق الشيخ وهو ضعيف عامي. راجع فهارس المسالك ١٦:٣٠١.

(٣) المختلف ٥:٢٣١.

(٤) في (ف) و (ر) : للتخيير، وفي نسخة (س) من المتن: ليتخيّر.

ضمان المقبوض بالسوم ﴾ وهو الذي قبضه ليشتريه فتلف في يده بغير تفريط، فإن قلنا بضمانه ـ كما هو المشهور ـ ضمن هنا؛ لأنّه في معناه؛ إذ الخصوصيّة ليست لقبض السوم، بل لعموم قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله: «على اليد ما أخذت حتى تؤدّي» (١) وهو مشترك بينهما. وإن قلنا بعدم ضمانه ـ لكونه مقبوضاً بإذن المالك والحال أنّه لا تفريط، فيكون كالودعيّ ـ لم يضمن هنا.

بل يمكن عدم الضمان هنا وإن قلنا به ثَمّ؛ لأنّ المقبوض بالسوم مبيع بالقوّة أو مجازاً بما يؤول إليه، وصحيح المبيع وفاسده مضمون. بخلاف صورة الفرض؛ لأنّ المقبوض ليس كذلك، لوقوع البيع سابقاً وإنّما هو محض استيفاء حقّ.

لكن يندفع ذلك بأنّ المبيع لمّا كان أمراً كلّياً وكان كلّ واحد من المدفوع صالحاً لكونه فرداً له كان في قوّة المبيع، بل دفعهما للتخيّر حصر له فيهما، فيكون بمنزلة المبيع حيث إنّه منحصر فيهما، فالحكم هنا بالضمان أولى منه.

﴿ والمرويّ ﴾ عن الباقر عليه‌السلام بطريق ضعيف (٢) ـ ولكن عمل به الأكثر ـ ﴿ انحصار حقّه فيهما ﴾ على سبيل الإشاعة، لا كون حقّه أحدهما في الجملة ﴿ وعدم ضمانه ﴾ أي الآبق ﴿ على المشتري، فينفسخ نصف المبيع ﴾ تنزيلاً للآبق منزلة التالف قبل القبض، مع أنّ نصفه مبيع ﴿ ويرجع ﴾ المشتري ﴿ بنصف الثمن على البائع ﴾ وهو عوض التالف ﴿ ويكون ﴾ العبد ﴿ الباقي بينهما ﴾ بالنصف ﴿ إلّا أن يجد الآبق يوماً فيتخيّر ﴾ في أخذ أيّهما شاء، وهو مبنيّ على كونهما بالوصف المطابق للمبيع وتساويهما في القيمة.

__________________

(١) مستدرك الوسائل ١٤:٧ ـ ٨، الباب الأوّل من كتاب الوديعة، الحديث ١٢.

(٢) الوسائل ١٣:٤٤ ـ ٤٥، الباب ٦ من أبواب بيع الحيوان وفيه حديث واحد، ولعلّ الضعف بجهالة ابن أبي حبيب الواقع في سندها. راجع جامع الرواة ٢:٤٢٨.

ووجه انحصار حقّه فيهما كونه عيّنهما للتخيّر، كما لو حصر الحقّ في واحد. وعدم ضمان الآبق إمّا لعدم ضمان المقبوض بالسوم، أو كون القبض على هذا الوجه يخالف قبض السوم، للوجه الذي ذكرناه، أو غيره، أو تنزيلاً لهذا التخيّر منزلة الخيار الذي لا يضمن الحيوان التالف في وقته.

ويشكل بانحصار الحقّ الكلّي قبل تعيّنه (١) في فردين، ومنع ثبوت الفرق بين حصره في واحد وبقائه كلّياً، وثبوت المبيع في نصف الموجود المقتضي للشركة مع عدم الموجب لها ثم الرجوع إلى التخيّر لو وجد الآبق، وأنّ دفعه الاثنين ليس تشخيصاً وإن حصر الأمر فيهما؛ لأصالة بقاء الحقّ في الذّمة إلى أن يثبت المزيل شرعاً، كما لو حصره في عشرة وأكثر. هذا مع ضعف الرواية عن إثبات مثل هذه الأحكام المخالفة للاُصول.

﴿ وفي انسحابه في الزيادة على اثنين إن قلنا به ﴾ في الاثنين وعملنا بالرواية ﴿ تردّد ﴾ من صدق العبدين في الجملة وعدم ظهور تأثير الزيادة مع كون محلّ التخيّر زائداً عن الحقّ، والخروج عن المنصوص المخالف للأصل. فإن سحبنا الحكم وكانوا ثلاثة فأبق واحد فات ثلث المبيع وارتجع ثلث الثمن إلى آخر ما ذكر. ويحتمل بقاء التخيّر وعدم فوات شيء، سواء حكمنا بضمان الآبق أم لا؛ لبقاء محلّ التخيّر الزائد عن الحقّ.

﴿ وكذا لو كان المبيع غير عبد، كأمة ﴾ فدفع إليه أمتين أو إماء، وقطع في الدروس بثبوت الحكم هنا (٢) ﴿ بل ﴾ في انسحاب الحكم في ﴿ أيّة (٣) عين

__________________

(١) في سوى (ع) : تعيينه.

(٢) الدروس ٣:٢٣١.

(٣) في نسخ الشرح: «أيّ» والصواب ما أثبتناه من نسختي المتن.

كانت ﴾ ـ كثوب وكتاب إذا دفع إليه منه اثنين أو أكثر ـ التردّد: من المشاركة فيما ظنّ كونه علّة الحكم، وبطلان القياس. والذي ينبغي القطع هنا بعدم الانسحاب؛ لأنّه قياس محض لا نقول به.

ولو هلك أحد العبدين ففي انسحاب الحكم الوجهان: من أنّ تنزيل الإباق منزلة التلف يقتضي الحكم مع التلف بطريق أولى، ومن ضعفه بتنجيز التنصيف من غير رجاء لعود التخيّر، بخلاف الإباق. والأقوى عدم اللحاق.

هذا كلّه على تقدير العمل بالرواية نظراً إلى انجبار ضعفها بما زعموه من الشهرة. والذي أراه منع الشهرة في ذلك، وإنّما حكم الشيخ بهذه ونظائرها على قاعدته، والشهرةُ بين أتباعه خاصّة، كما أشرنا إليه في غيرها (١).

والذي يناسب الأصل أنّ العبدين إن كانا مطابقين للمبيع تخيّر بين اختيار الآبق والباقي، فإن اختار الآبق ردّ الموجود ولا شيء له، وإن اختار الباقي انحصر حقّه فيه وبني ضمان الآبق على ما سبق (٢) ولا فرق حينئذ بين العبدين وغيرهما من الزائد والمخالف وهذا هو الأقوى.

__________________

(١) أشار إليه في الصفحة ٢٤٨ في رواية مسكين السمّان.

(٢) سبق في الصفحة ٢٤٩ ـ ٢٥٠.

﴿ الفصل الرابع ﴾

﴿ في ﴾ بيع (١) ﴿ الثمار ﴾

﴿ ولا يجوز بيع الثمرة قبل ظهورها ﴾ وهو بروزها إلى الوجود وإن كانت في طَلع (٢) أو كِمام (٣) ﴿ عاماً ﴾ واحداً، بمعنى ثمرة ذلك العام وإن وجدت في شهر أو أقلّ، سواء في ذلك ثمرة النخل وغيرها ـ وهو موضع وفاق ـ وسواء ضمّ إليها شيئاً أم لا ﴿ ولا ﴾ بيعها قبل ظهورها أيضاً ﴿ أزيد ﴾ من عام ﴿ على الأصحّ ﴾ للغرر، ولم يخالف فيه إلّا الصدوق (٤) لصحيحة يعقوب بن شعيب عن أبي عبد اللّٰه عليه‌السلام الدالّة على الجواز (٥) ولا يخلو من قوّة إن لم يثبت الإجماع على خلافه.

__________________

(١) لم يرد «بيع» في سوى (ع).

(٢) ما يطلع من النخلة ثم يصير ثمراً إن كانت اُنثى، وإن كانت النخلة ذكراً لم يصر ثمراً بل يؤكل طريّاً، ويترك على النخلة أيّاماً معلومة حتى يصير فيه شيء أبيض مثل الدقيق، وله رائحة ذكيّة، فيلقح به الاُنثى، المصباح المنير (طلع).

(٣) الكِمّ ـ بالكسر ـ وعاء الطلع وغطاء النور، والجمع: أكمام، والكِمام والكِمامة ـ بكسرهما ـ مثله، وجمع الكِمام: أكِمّة، مثل سلاح وأسلحة، المصباح المنير (كمم).

(٤) اُنظر المقنع:٣٦٦، والفقيه ٣:٢٤٩، الحديث ٣٩٠٣.

(٥) الوسائل ١٣:٤ ـ ٥، الباب الأوّل من أبواب بيع الثمار، الحديث ٨.