درس الروضة البهیة (فقه ۳) (المتاجر - المساقاة)

جلسه ۸۱: کتاب المتاجر:‌ خیارات ۱۰

 

﴿ ويسقط الردّ بالتصرّف ﴾ في المبيع، سواء كان قبل علمه بالعيب أم بعده، وسواء كان التصرّف ناقلاً للملك أم لا، مغيّراً للعين أم لا، عاد إليه بعد خروجه عن ملكه أم لا. وما تقدّم في تصرّف الحيوان (١) آتٍ هنا.

﴿ أو حدوث عيب بعد القبض ﴾ مضمونٍ على المشتري، سواء كان حدوثه من جهته أم لا. واحترزنا بالمضمون عليه عمّا لو كان حيواناً وحدث فيه العيب في الثلاثة من غير جهة المشتري، فإنّه حينئذٍ لا يمنع من الردّ ولا الأرش؛ لأنّه مضمون على البائع. ولو رضي البائع بردّه مجبوراً بالأرش أو غير مجبور جاز.

وفي حكمه ما لو اشترى صفقةً متعدّداً وظهر فيه عيب وتلف أحدها، أو اشترى اثنان صفقةً فامتنع أحدهما من الردّ، فإنّ الآخر يُمنع منه وله الأرش وإن أسقطه الآخر، سواءٌ اتّحدت العين أم تعدّدت، اقتسماها أم لا.

وأولى بالمنع من التفرّق الورّاثُ عن واحد؛ لأنّ التعدّد هنا طارئٌ على العقد، سواء في ذلك خيار العيب وغيره.

وكذا الحكم لو اشترى شيئين فصاعداً فظهر في أحدهما عيب، فليس له ردّه، بل ردّهما أو إمساكهما وأرش المعيب.

وكذا يسقط الردّ دون الأرش إذا اشترى من ينعتق عليه؛ لانعتاقه بنفس الملك. ويمكن ردّه إلى التصرّف. وكذا يسقط الردّ بإسقاطه مع اختياره الأرش أو لا معه.

﴿ و ﴾ حيث يسقط الردّ ﴿ يبقى الأرش ﴾.

__________________

(١) من أنّه لو قصد به الاستخبار ولم يتجاوز مقدار الحاجة ففي منعه من الردّ وجهان، راجع الصفحة ٣٠٣.

﴿ ويسقطان ﴾ أي الردّ والأرش معاً ﴿ بالعلم به ﴾ أي بالعيب ﴿ قبلَ العقد ﴾ فإنّ قدومه عليه عالماً به رضا بالمعيب ﴿ وبالرضا به بعدَه ﴾ غير مقيّد بالأرش، وأولى منه إسقاط الخيار ﴿ وبالبراءة ﴾ أي براءة البائع ﴿ من العيوب ولو إجمالاً ﴾ كقوله: «برئت من جميع العيوب» على أصحّ القولين (١) ولا فرق بين علم البائع والمشتري بالعيوب وجهلهما والتفريق، ولا بين الحيوان وغيره، ولا بين العيوب الباطنة وغيرها، ولا بين الموجودة حالةَ العقد والمتجدّدة حيث تكون مضمونة على البائع؛ لأنّ الخيار بها ثابت بأصل العقد وإن كان السبب حينئذٍ غير مضمون.

﴿ والإباق ﴾ عند البائع ﴿ وعدم الحيض ﴾ ممّن شأنها الحيض بحسب سنّها ﴿ عيب ﴾ ويظهر من العبارة الاكتفاء بوقوع الإباق مرّةً قبلَ العقد، وبه صرّح بعضهم (٢) والأقوى اعتبار اعتياده، وأقلّ ما يتحقّق بمرّتين. ولا يشترط إباقه عند المشتري، بل متى تحقّق ذلك عند البائع جاز الردّ. ولو تجدّد عند المشتري في الثلاثة من غير تصرّف فهو كما لو وقع عند البائع.

ولا يعتبر في ثبوت عيب الحيض مضيّ ستّة أشهر كما ذكره جماعة (٣) بل يثبت بمضيّ مدّة تحيض فيها أسنانها في تلك البلاد ﴿ وكذا الثُفل ﴾ بضمّ المثلّثة وهو ما استقرّ تحت المائع من كُدرة ﴿ في الزيت ﴾ وشبهه ﴿ غير المعتاد ﴾ أمّا

__________________

(١) ذهب إليه المفيد في المقنعة:٥٩٨، والشيخ في النهاية:٣٩٢، وابن إدريس في السرائر ٢:٢٩٦. ومقابل الأصحّ هو قول ابن الجنيد على ما حكاه عنه في المختلف ٥:١٧٠، والقاضي في المهذّب ١:٣٩٢.

(٢) مثل العلّامة في التذكرة ١١:١٩١.

(٣) كالشيخ في النهاية:٣٩٥، وابن حمزة في الوسيلة:٢٥٦، والمحقّق في الشرائع ٢:٣٧.

المعتاد منه فليس بعيب؛ لاقتضاء طبيعة الزيت وشبهه كون ذلك فيه غالباً. ولا يشكل صحّة البيع مع زيادته عن المعتاد بجهالة قدر المبيع المقصود بالذات فيجهل مقدار ثمنه؛ لأنّ مثل ذلك غير قادح مع معرفة مقدار الجملة، كما تقدّم في نظائره (١).

﴿ التاسع: خيار التدليس ﴾

وهو تفعيل من الدَلَس محرّكاً، وهو الظلمة، كأنّ المُدلِّس يُظلم الأمر ويُبهمه حتّى يوهم غير الواقع.

ومنه اشتراط صفة فتفوت، سواء كان من البائع أم المشتري ﴿ فلو شرط صفة كمال كالبَكارة أو توهّمها ﴾ المشتري كمالاً ذاتيّاً ﴿ كتحمير الوجه ووصلِ الشعر فظهر الخلاف تخيّر ﴾ بين الفسخ والإمضاء بالثمن ﴿ ولا أرش ﴾ لاختصاصه بالعيب والواقع ليس بعيب، بل فوات أمر زائد. ويشكل ذلك في البكارة من حيث إنّها بمقتضى الطبيعة وفواتها نقص يحدث على الأمة ويؤثّر في نقصان القيمة تأثيراً بيّناً فيتخيّر بين الردّ والأرش. بل يحتمل ثبوتهما وإن لم يشترط؛ لما ذكرناه، خصوصاً في الصغيرة التي ليست محلَّ الوطء، فإنّ أصل الخلقة والغالب متطابقان في مثلها على البَكارة فيكون فواتها عيباً. وهو في الصغيرة قويّ وفي غيرها متّجه، إلّا أنّ الغالب لمّا كان على خلافه في الإماء كانت الثيوبة فيهنّ بمنزلة الخلقة الأصليّة وإن كانت عارضة.

__________________

(١) تقدّم في الصفحة ٢٩٧.