درس الروضة البهیة (فقه ۳) (المتاجر - المساقاة)

جلسه ۹۳: کتاب المتاجر:‌ احکام (قبض) ۳

 

التزم، وللبائع إن فسخ.

﴿ ولو غُصب من يد البائع ﴾ قبل إقباضه ﴿ واُسرع عوده ﴾ بحيث لم يفت من منافعه ما يُعتدّ به عرفاً ﴿ أو أمكن ﴾ البائع ﴿ نزعه بسرعة ﴾ كذلك ﴿ فلا خيار ﴾ للمشتري؛ لعدم موجبه ﴿ وإلّا ﴾ يمكن تحصيله بسرعة ﴿ تخيّر المشتري ﴾ بين الفسخ والرجوع على البائع بالثمن إن كان دفعه، والالتزام بالمبيع وارتقاب حصوله، فينتفع حينئذٍ بما لا يتوقّف على القبض، كعتق العبد.

ثمّ إن تلف في يد الغاصب فهو ممّا تلف قبل قبضه فيبطل البيع وإن كان قد رضي بالصبر، مع احتمال كونه قبضاً، وكذا لو رضي بكونه في يد البائع، وأولى بتحقّق القبض هنا.

﴿ ولا اُجرة على البائع في تلك المدّة ﴾ التي كان في يد الغاصب وإن كانت العين مضمونة عليه؛ لأنّ الاُجرة بمنزلة النماء المتجدّد وهو غير مضمون. وقيل يضمنها؛ لأنّها بمنزلة النقص الداخل قبل القبض وكالنماء المتّصل (١) والأقوى اختصاص الغاصب بها ﴿ إلّا أن يكون المنع منه ﴾ فيكون غاصباً إذا كان المنع بغير حقّ. فلو حبسه ليتقابضا أو ليقبض الثمن حيث شرط تقدّم قبضه فلا اُجرة عليه؛ للإذن في إمساكه شرعاً.

وحيث يكون المنع سائغاً فالنفقة على المشتري؛ لأنّه ملكه. فإن امتنع من الإنفاق رفع البائع أمره إلى الحاكم ليُجبره عليه، فإن تعذّر أنفق بنيّة الرجوع ورجع، كنظائره.

﴿ وليكن المبيع ﴾ عند إقباضه ﴿ مفرَّغاً ﴾ من أمتعة البائع وغيرها ممّا

__________________

(١) قال السيّد العاملي: «لكنّا لم نجد القائل بالإلزام وإن حكاه الشهيد الثاني» راجع مفتاح الكرامة ٤:٧٢٧.

لم يدخل في المبيع، ولو كان مشغولاً بزرع لم يبلغ وجب الصبر إلى أوانه إن اختاره البائع. ولو كان فيه ما لا يخرج إلّا بهدم وجب أرشه على البائع. والتفريغ وإن كان واجباً إلّا أنّ القبض لا يتوقّف عليه، فلو رضي المشتري بتسلّمه مشغولاً تمّ القبض ويجب التفريغ بعدَه.

﴿ ويكره بيع المكيل والموزون قبل قبضه ﴾ للنهي عنه (١) المحمول على الكراهة جمعاً ﴿ وقيل: يحرم إن كان طعاماً (٢) ﴾ وهو الأقوى، بل يحرم بيع مطلق المكيل والموزون؛ لصحّة الأخبار الدالّة على النهي وعدم مقاومة المعارض (٣) لها على وجهٍ يوجب حمله على خلاف ظاهره، وقد تقدّم (٤).

﴿ ولو ادّعى المشتري نقصان المبيع ﴾ بعد قبضه ﴿ حلف إن لم يكن حضر الاعتبار ﴾ لأصالة عدم وصول حقّه إليه ﴿ وإلّا ﴾ يكن كذلك بأن حضر الاعتبار ﴿ أحلف البائع ﴾ عملاً بالظاهر: من أنّ صاحب الحقّ إذا حضر اعتباره يحتاط لنفسه ويعتبر مقدار حقّه. ويمكن موافقة الأصل للظاهر باعتبار آخر، وهو أنّ المشتري لمّا قبض حقّه كان في قوّة المعترف بوصول حقّه إليه كملاً، فإذا ادّعى بعد ذلك نقصانه كان مدّعياً لما يخالف الأصل. ولا يلزم مثله في الصورة الاُولى؛ لأ نّه إذا لم يحضر لا يكون معترفاً بوصول حقّه؛ لعدم اطّلاعه عليه، حتّى لو فرض اعترافه فهو مبنيّ على الظاهر، بخلاف الحاضر.

__________________

(١) الوسائل ١٢:٣٨٧ ـ ٣٨٩، الباب ١٦ من أبواب أحكام العقود.

(٢) حكاه العلّامة عن العماني في المختلف ٥:٢٨١.

(٣) الوسائل ١٢:٣٨٨ ـ ٣٩١، الباب ١٦ من أبواب أحكام العقود، الحديث ٣ و ٦ و ١٩ وغيرها.

(٤) تقدّم في باب السلف، وكذا في آداب البيع.

﴿ ولو حوّل المشتري الدعوى ﴾ حيث لا يقبل قوله في النقص ﴿ إلى عدم إقباض الجميع ﴾ من غير تعرّض لحضور الاعتبار وعدمه أو معه ﴿ حلف ﴾ لأصالة عدم وصول حقّه إليه ﴿ ما لم يكن سبق بالدعوى الاُولى ﴾ فلا تسمع الثانية؛ لتناقض كلاميه. وهذه من الحيل التي يترتّب عليها الحكم الشرعي، كدعوى براءة الذمّة من حقّ المدّعي لو كان قد دفعه إليه بغير بيّنة، فإنّه لو أقرّ بالواقع لزمه.

﴿ الثالث: في ما يدخل في المبيع ﴾

عند إطلاق لفظه

﴿ و ﴾ الضابط: أنّه ﴿ يُراعى فيه اللغة والعرف ﴾ العامّ أو الخاصّ؛ وكذا يُراعى الشرع بطريق أولى، بل هو مقدّم عليهما، ولعلّه أدرجه في العرف؛ لأنّه عرف خاصّ. ثمّ إن اتّفقت، وإلّا قُدّم الشرعي، ثمّ العرفي، ثمّ اللغوي.

﴿ ففي بيع البستان ﴾ بلفظه تدخل: ﴿ الأرض، والشجر ﴾ قطعاً ﴿ والبناء ﴾ كالجدار وما أشبهه من الركائز المثبتة في داخله لحفظ التراب عن الانتقال. أمّا البناء المعدّ للسكنى ونحوه، ففي دخوله وجهان: أجودهما اتّباع العادة. ويدخل فيه الطريق والشِرب؛ للعرف. ولو باعه بلفظ «الكرم» تناول شجر العنب؛ لأنّه مدلوله لغة، وأمّا الأرض والعريش (١) والبناء والطريق والشِرب فيُرجع فيها إلى العرف؛ وكذا ما اشتمل عليه من الأشجار غيره، وما شكّ في تناول اللفظ له لا يدخل.

__________________

(١) العريش: البيت الذي يستظلّ به ـ شبه الخيمة ـ والمراد به هنا ما يُصنع من الخشب ونحوه لإلقاء أغصان الكَرْم عليه.