درس الروضة البهیة (فقه ۳) (المتاجر - المساقاة)

جلسه ۱۳۰: کتاب الحجر ۲

 

من غير اعتبار أمر آخر معه. والمفهوم من الرشد عرفاً هو إصلاح المال على الوجه المذكور وإن كان فاسقاً.

وقيل: يعتبر مع ذلك العدالة (١) فلو كان مصلحاً لماله غير عدل في دينه لم يرتفع عنه الحجر، للنهي عن إيتاء السفهاء المال (٢) وما روي أنّ شارب الخمر سفيه (٣) ولا قائل بالفرق. وعن ابن عبّاس أنّ الرشد هو الوقار والحلم والعقل (٤).

وإنّما يعتبر على القول بها في الابتداء، لافي الاستدامة، فلو عرض الفسق بعد العدالة قال الشيخ: الأحوط أن يُحجر عليه (٥) مع أنّه شرطها ابتداءً. ويتوجّه على ذلك أنّها لو كانت شرطاً في الابتداء لاعتبرت بعده لوجود المقتضي.

﴿ ويختبر ﴾ من يراد معرفة رشده ﴿ بملائمه ﴾ من التصرّفات والأعمال، ليظهر اتّصافه بالملكة وعدمه، فمن كان من أولاد التجّار فوّض إليه البيع والشراء بمعنى مماكسته فيهما على وجههما، ويراعى إلى أن يتمّ مساومته ثمّ يتولّاه الوليّ إن شاء، فإذا تكرّر منه ذلك وسلم من الغبن والتضييع في (٦) غير وجهه فهو رشيد.

وإن كان من أولاد من يُصان عن ذلك (٧) اختبر بما يناسب حال أهله، إمّا بأن يسلّم إليه نفقة مدّة لينفقها في مصالحه أو مواضعها التي عُيّنت له، أو بأن

__________________

(١) قاله الشيخ في المبسوط ٢:٢٨٤، والخلاف ٣:٢٨٣ ـ ٢٨٤ المسألة ٣ من كتاب الحجر.

(٢) النساء:٥.

(٣) الوسائل ١٣:٤٤٢، الباب ٥٣ من أبواب الوصية، الحديث ٢، وتفسير العياشي ١:٢٢٠، الحديث ٢٢.

(٤) الدر المنثور ٢:١٢١.

(٥) الخلاف ٣:٢٨٩، المسألة ٨ من كتاب الحجر.

(٦) في (ع) بدل «في» : من.

(٧) يعني ليس شغله التجارة.

يستوفي الحساب على معامليهم، أو نحو ذلك، فإن وفى بالأفعال الملائمة فهو رشيد. ومن تضييعه: إنفاقه في المحرّمات، والأطعمة النفسية التي لا تليق بحاله بحسب وقته وبلده وشرفه وضِعَته، والأمتعة واللباس كذلك.

وأمّا صرفه في وجوه الخير من الصدقات وبناء المساجد وإقراء الضيف، فالأقوى أنّه غير قادح مطلقاً؛ إذ لا سرف في الخير، كما لا خير في السرف (١).

وإن كان اُنثى اختبرت بما يناسبها من الأعمال، كالغزل والخياطة، وشراء آلاتهما المعتادة لأمثالها بغير غبن، وحفظ ما يحصل في يدها من ذلك، والمحافظة على اُجرة مثلها إن عملت للغير، وحفظ ما تليه من أسباب البيت ووضعه على وجهه، وصون أطعمته التي تحت يدها عن مثل الهرّة والفأر ونحو ذلك، فإذا تكرّر ذلك على وجه الملكة ثبت الرشد، وإلّا فلا.

ولا يقدح فيها وقوع ما ينافيها نادراً من الغلط والانخداع في بعض الأحيان؛ لوقوعه كثيراً من الكاملين. ووقت الاختبار قبل البلوغ، عملاً بظاهر الآية (٢).

﴿ ويثبت الرشد ﴾ لمن لم يختبر ﴿ بشهادة النساء في النساء لا غير ﴾ لسهولة اطلاعهنّ عليهنّ غالباً عكس الرجال ﴿ وبشهادة الرجال مطلقاً ﴾ ذكراً كان المشهود عليه أم اُنثى؛ لأنّ شهادة الرجال غير مقيّدة. والمعتبر في شهادة الرجال اثنان وفي النساء أربع. ويثبت رشد الاُنثى بشهادة رجل وامرأتين أيضاً وبشهادة أربع خناثي.

﴿ ولا يصحّ إقرار السفيه بمال ﴾ ويصحّ بغيره كالنسب وإن أوجب النفقة.

__________________

(١) عوالي اللآلئ ٢:٢٩١، مع تفاوت يسير.

(٢) النساء:٦.

وفي الإنفاق عليه (١) من ماله أو بيت المال قولان (٢) أجودهما الثاني، وكالإقرار بالجناية الموجبة للقصاص وإن كان نفساً ﴿ ولا تصرّفه في المال ﴾ وإن ناسب أفعال العقلاء.

ويصحّ تصرّفه فيما لا يتضمّن إخراج المال كالطلاق والظهار والخلع. ﴿ ولا يسلّم عوض الخلع إليه ﴾ لأنّه تصرّف ماليّ ممنوع منه.

﴿ ويجوز أن يتوكّل لغيره في سائر العقود ﴾ أي جميعها وإن كان قد ضعّف إطلاقه عليه (٣) بعض أهل العربيّة، حتى عدّه في «درّة الغوّاص» من أوهام الخواص (٤) وجعله مختصّاً بالباقي أخذاً له من السؤر وهو البقيّة، وعليه جاء قول النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله لابن غيلان لمّا أسلم على عشر نسوة: «أمسك عليك أربعاً، وفارق سائرهن» (٥) لكن قد أجازه بعضهم (٦) وإنّما جاز توكيل غيره له؛ لأنّ عبارته ليست مسلوبة مطلقاً، بل ممّا يقتضي التصرّف في ماله.

﴿ ويمتدّ حجر المجنون ﴾ في التصرّفات الماليّة وغيرها ﴿ حتى يفيق ﴾ ويكمل عقله.

﴿ والولاية في مالهما ﴾ أي الصغير والمجنون ﴿ للأب والجدّ ﴾ له

__________________

(١) أي على المقرّ له بالنسب.

(٢) القول بالإنفاق من بيت المال للشيخ في المبسوط ٢:٢٨٧، والعلّامة في القواعد ٢:١٣٨، والمحقّق الثاني في جامع المقاصد ٥:٢٠١. وأمّا القول بأ نّه من ماله فلم نعثر عليه، نعم نقل في جامع المقاصد ٥:٢٠١ عن حواشي الشهيد: بأنه لو قيل يكون من ماله لكان حسناً.

(٣) يعني إطلاق «سائر» على «جميع».

(٤) اُنظر تاج العروس ٣:٢٥١.

(٥) كنز العمال ١٦:٣٣٠، الحديث ٤٤٧٦٥.

(٦) اُنظر صحاح اللغة ٢:٦٩٢، وتاج العروس ٣:٢٥١.