درس الروضة البهیة (فقه ۳) (المتاجر - المساقاة)

جلسه ۱۳۷: کتاب الضمان ۵

 

وقيل: إنّما يصحّ هذا الضمان من البائع؛ لأنّه ثابت عليه بنفس العقد (١) وإن لم يضمن، فيكون ضمانه تأكيداً.

وهو ضعيف؛ لأنّه لا يلزم من ضمانه لكونه بائعاً مسلّطاً على الانتفاع مجّاناً ضمانه بعقده مع عدم اجتماع شرائطه التي من جملتها كونه ثابتاً حال الضمان.

وتظهر الفائدة فيما لو أسقط المشتري عنه حقّ الرجوع بسبب البيع، فيبقى له الرجوع بسبب الضمان لو قلنا بصحّته، كما لو كان له خياران فأسقط أحدهما.

ونظير ضمان غير البائع درك الغرس ضمانه عهدة المبيع لو ظهر معيباً فيطالب المشتري بالأرش؛ لأنّه جزء من الثمن ثابت وقت الضمان. ووجه العدم هنا أنّ الاستحقاق له إنّما حصل بعد العلم بالعيب واختيار أخذ الأرش، والموجود من العيب حالة العقد ما كان يلزمه تعيّن الأرش، بل التخيير بينه وبين الردّ، فلم يتعيّن الأرش إلّا بعد الضمان.

والحقّ أنّه أحد الفردين الثابتين تخييراً حالة البيع، فيوصف بالثبوت قبل اختياره، كأفراد الواجب المخيّر.

﴿ ولو أنكر المستحقّ القبض ﴾ من الضامن ﴿ فشهد عليه الغريم ﴾ وهو المضمون عنه ﴿ قبل ﴾ لأنّه إن كان آمراً بالضمان فشهادته عليه شهادة على نفسه باستحقاق الرجوع عليه وشهادة لغيره فتسمع. وإن كان الضامن متبرّعاً عنه فهو أجنبيّ فلا مانع من قبولها؛ لبراءته من الدين أدّى أم لم يؤدّ. لكن إنّما تقبل ﴿ مع عدم التهمة ﴾ بأن تفيده الشهادة فائدة زائدة على ما يغرمه لو لم يثبت الأداء، فتردّ، وللتهمة صور:

منها: أن يكون الضامن معسراً ولم يعلم المضمون له بإعساره، فإنّ له

__________________

(١) قاله المحقّق في الشرائع ٢:١١١.

الفسخ حيث لا يثبت الأداء، ويرجع على المضمون عنه فيدفع بشهادته عود الحقّ إلى ذمّته.

ومنها: أن يكون الضامن قد تجدّد عليه الحجر للفلس، وللمضمون عنه عليه دين، فإنّه يوفّر بشهادته مال المفلّس فيزداد ما يضرب به.

ولا فرق في هاتين بين كون الضامن متبرّعاً وبسؤال؛ لأنّ فسخ الضمان يوجب العود على المديون على التقديرين، ومع الإفلاس ظاهر.

وجعل بعضهم (١) من صور التهمة: أن يكون الضامن قد صالح على أقلّ من الحقّ، فيكون رجوعه على تقدير كونه بسؤال إنّما هو بالمدفوع، فتجرّ شهادة المضمون عنه تهمة بتخفيف الدين عنه.

وفيه نظر؛ لأنّه يكفي في سقوط الزائد عن المضمون عنه اعتراف الضامن بذلك، فلا يرجع به وإن لم يثبته فتندفع التهمة وتقبل الشهادة كما نبّه عليه المصنّف بقوله: ﴿ ومع عدم قبول قوله ﴾ للتهمة أو لعدم العدالة ﴿ لو غرم الضامن رجع ﴾ على المضمون عنه ﴿ في موضع الرجوع ﴾ وهو ما لو كان ضامناً بإذنه ﴿ بما أدّاه أوّلاً ﴾ لتصادقهما على كونه هو المستحقّ في ذمّة المضمون عنه واعترافه بأنّ المضمون له ظالم بالأخذ ثانياً. هذا مع مساواة الأوّل للحقّ أو قصوره، وإلّا رجع عليه بأقلّ الأمرين منه ومن الحقّ؛ لأنّه لا يستحقّ الرجوع بالزائد عليه.

ومثله ما لو صدّقه على الدفع وإن لم يشهد، ويمكن دخوله في عدم قبول قوله. ﴿ ولو لم يصدّقه على الدفع ﴾ الذي ادّعاه ﴿ رجع ﴾ عليه ﴿ بالأقلّ ﴾ ممّا ادّعى أداءه أوّلاً وأداءه أخيراً؛ لأنّ الأقلّ إن كان هو الأوّل فهو يعترف بأ نّه لا يستحقّ سواه وأنّ المضمون له ظلمه في الثاني، وإن كان الثاني فلم يثبت ظاهراً سواه، وعلى ما بيّنّاه يرجع بالأقلّ منهما ومن الحقّ.

__________________

(١) اُنظر جامع المقاصد ٥:٣٥٠، والمهذّب البارع ٢:٥٢٣.