درس الروضة البهیة (فقه ۳) (المتاجر - المساقاة)

جلسه ۱۵۶: کتاب الشرکة ۳

 

﴿ وليس لأحد الشركاء التصرّف ﴾ في المال المشترك ﴿ إلّابإذن الجميع ﴾ لقبح التصرّف في مال الغير بغير إذنه عقلاً وشرعاً ﴿ ويقتصر من التصرّف على المأذون ﴾ على تقدير حصول الإذن ﴿ فإن تعدّى ﴾ المأذون ﴿ ضمن ﴾.

واعلم أنّ الشركة كما تُطلق على اجتماع حقوق المُلّاك في المال الواحد على أحد الوجوه السابقة، كذلك تُطلق على العقد المثمر جواز تصرّف المُلّاك في المال المشترك، وبهذا المعنى اندرجت الشركة في قسم العقود وقبلت الحكم بالصحّة والفساد، لا بالمعنى الأوّل. والمصنّف رحمه‌الله أشار إلى المعنى الأوّل بما افتتح به من الأقسام، وإلى الثاني بالإذن المبحوث عنه هنا.

﴿ ولكلّ ﴾ من الشركاء ﴿ المطالبة بالقسمة، عرضاً ﴾ بالسكون وهو ما عدا النقدين ﴿ كان المال، أو نقداً ﴾.

﴿ والشريك أمين ﴾ على ما تحت يده من المال المشترك المأذون له في وضع يده عليه ﴿ لا يضمن إلّا بتعدّ ﴾ وهو فعل ما لا يجوز فعله في المال ﴿ أو تفريط ﴾ وهو التقصير في حفظه وما يتمّ به صلاحه ﴿ ويقبل يمينه في التلف ﴾ لو ادّعاه بتفريط وغيره ﴿ وإن كان السبب ظاهراً ﴾ كالحرق والغَرَق. وإنّما خصّه لإمكان إقامة البيّنة عليه، فربما احتمل عدم قبول قوله فيه كما ذهب إليه بعض العامة (١) أمّا دعوى تلفه بأمر خفيّ كالسَرَق فمقبول إجماعاً.

﴿ ويُكره مشاركة الذمّيّ وإبضاعه ﴾ وهو أن يدفع إليه مالاً يتّجر فيه والربح لصاحب المال خاصّة ﴿ وإيداعه ﴾ لقول الصادق عليه‌السلام: «لا ينبغي للرجل المسلم أن يشارك الذمّيّ، ولا يُبضعه بضاعة، ولا يُودعه وديعة،

__________________

(١) قاله الشيرازي صاحب المهذّب وشارحه النووي، اُنظر المجموع ١٤:٧٦. وانظر مغني المحتاج ٢:٢١٦.

ولا يصافيه المودّة» (١).

﴿ ولو باع الشريكان سِلعةً صفقةً، وقبض أحدهما من ثمنها شيئاً شاركه الآخر فيه ﴾ على المشهور، وبه أخبار كثيرة (٢) ولأنّ كلّ جزءٍ من الثمن مشترك بينهما، فكلّ ما حصل منه بينهما كذلك.

وقيل: لا يشاركه؛ لجواز أن يبرئ الغريم من حقّه ويصالحه عليه من غير أن يسري إلى الآخر، فكذا الاستيفاء، ولأنّ متعلّق الشركة هو العين وقد ذهبت، والعوض أمر كلّي لا يتعيّن إلّابقبض المالك أو وكيله، ولم يتحقّق هنا بالنسبة إلى الآخر؛ لأنّه إنّما قبضه لنفسه (٣).

وعلى المشهور لا يتعيّن على الشريك غير القابض مشاركته، بل يتخيّر بينها وبين مطالبة الغريم بحقّه، ويكون قدر حصّة الشريك في يد القابض كقبض الفضول (٤) إن أجازه ملكه وتبعه النماء، وإن ردّه ملكه القابض، ويكون مضموناً عليه على التقديرين. ولو أراد الاختصاص بالمقبوض بغير إشكال فليبع حقّه للمديون على وجه يسلم من الربا بثمن معيّن فيختصّ به، وأولى منه الصلح عليه، أو يُبرئه من حقّه ويستوهب عوضه، أو يحيل به على المديون، أو يضمنه له ضامن.

وموضع الخلاف مع حلول الحقّين، فلو كان أحدهما مؤجّلاً لم يشارك

__________________

(١) الوسائل ١٣:١٧٦، الباب ٢ من أحكام الشركة، الحديث الأوّل.

(٢) اُنظر الوسائل ١٣:١٧٩، الباب ٦ من أبواب الشركة، و ١٥٩، الباب من أحكام الضمان، و ١١٦، الباب ٢٩ من أبواب الدين، الحديث الأوّل.

(٣) قاله ابن إدريس في السرائر ٢:٤٠٢ ـ ٤٠٣، وقوّاه المحقّق الثاني في جامع المقاصد ٨:٣٩.

(٤) في (ر) : الفضولي.

فيما قبضه الآخر قبل حلول الأجل.

واحترز ببيعهما صفقة عمّا لو باع كلّ واحد نصيبه بعقد وإن كان لواحد. كما لا فرق في الصفقة بين كون المشتري واحداً ومتعدّداً؛ لأنّ الموجب للشركة هو العقد الواحد على المال المشترك. وفي حكم الصفقة ما اتّحد سبب شركته، كالميراث والإتلاف والاقتراض من المشترك.

﴿ ولو ادّعى المشتري ﴾ من المشتركين المأذونين ﴿ شراء شيء لنفسه أولهما حلف ﴾ وقُبل بيمينه؛ لأنّ مرجع ذلك إلى قصده وهو أعلم به، والاشتراك لا يعيّن التصرّف بدون القصد، وإنّما لزمه الحلف ـ مع أنّ القصد من الاُمور الباطنة التي لا تُعلم إلّا من قبله ـ لإمكان الاطّلاع عليه بإقراره.