درس الروضة البهیة (فقه ۳) (المتاجر - المساقاة)

جلسه ۱۵۸: کتاب المضاربة ۲

 

﴿ ولو أطلق ﴾ له الإذن ﴿ تصرّف بالاسترباح ﴾ في كلّ ما يظنّ فيه حصول الربح من غير أن يتقيّد بنوع أو زمان أو مكان. ويتولّى أيضاً بالإطلاق ما يتولّاه المالك في التجارة بنفسه: من عرض القماش على المشتري ونشره وطيِّه وإحرازه وبيعه وقبض ثمنه، ولا اُجرة له على مثل ذلك، حملاً للإطلاق على المتعارف. وله الاستئجار على ما جرت العادة به، كالدلالة ووزن الأمتعة الثقيلة التي لم تجر عادته بمباشرة مثلها.

﴿ وينفق في السفر كمال نفقته من أصل المال ﴾ والمراد بالنفقة ما يحتاج فيه إليه من مأكول وملبوس ومشروب ومركوب، وآلات ذلك، واُجرة المسكن ونحوها. ويراعي فيها ما يليق به عادة مقتصداً، فإن أسرف حُسب عليه، وإن قتر لم يحسب له. وإذا عاد من السفر فما بقي من أعيانها ـ ولو من الزاد ـ يجب ردّه إلى التجارة أو تركُه إلى أن يسافر إن كان ممّن يعود إليه قبل فساده.

ولو شرط عدمها لزم، ولو أذن له بعده فهو تبرّع محض، ولو شرطها فهو تأكيد، ويشترط حينئذٍ تعيينها لئلّا يتجهّل الشرط، بخلاف ما ثبت بأصل الشرع. ولا يعتبر في ثبوتها حصول ربح، بل ينفق ولو من الأصل إن لم يربح، وإلّا  كانت منه.

ومؤونة المرض في السفر على العامل، وكذا سفر لم يؤذَن فيه وإن استحقّ الحصّة (١) والمراد بالسفر: العرفي، لا الشرعي ـ وهو ما اشتمل على المسافة ـ فينفق وإن كان قصيراً أو أتمّ الصلاة، إلّا أن يخرج عن اسم المسافر، أو يزيد عمّا تحتاج التجارة إليه فينفق من ماله إلى أن يصدق الوصف.

واحترز بكمال النفقة عن القدر الزائد عن نفقة الحضر، فقد قيل: إنّه لا ينفق

__________________

(١) أي حصّته من الربح.

فيه سواه (١) ونبّه بأصل المال على أنّه لا يشترط حصول ربح، كما مرّ.

﴿ وليشتر نقداً بنقد البلد، بثمن المثل فما دون ﴾ فلو اشترى نسيئة، أو بغير نقد البلد، أو بأزيد من ثمن المثل كان فضوليّاً، فإن أجازه المالك صحّ، وإلّا بطل؛ لما في النسيئة من احتمال الضرر بتلف رأس المال فيبقى عهدة الثمن متعلّقة بالمالك وقد لا يقدر عليه، أو لا يكون له غرض في غير ما دفع، وحملاً في الأخيرين على المتعارف وما فيه الغبطة، كالوكيل.

﴿ وليبع كذلك ﴾ بنقد البلد نقداً ﴿ بثمن المثل فما فوقه ﴾ لما في النسيئة من التغرير بمال المالك، وحملاً للإطلاق على المتعارف وهو نقد البلد، كالوكالة.

وقيل: يجوز بغيره وبالعَرْض مع كونه مظنّة للربح؛ لأنّ الغرض الأقصى منها ذلك، بخلاف الوكالة (٢) وفيه قوّة.

ولو أذن المالك في شيءٍ من ذلك خصوصاً أو عموماً ك‍ «تصرّف برأيك» أو «كيف شئت» جاز بالعَرْض قطعاً، أمّا النقد وثمن المثل فلا يخالفهما إلّا مع التصريح. نعم يُستثنى من ثمن المثل نقصان يتسامح به عادةً.

﴿ وليشتر بعين المال ﴾ لا بالذمّة ﴿ إلّا مع الإذن في الذمّة ﴾ ولو بالإجازة، فإن اشترى فيها بدونه ولم يذكر المالك لفظاً ولا نيّةً وقع له ولو ذكره لفظاً فهو فضوليّ، ونيّةً خاصّة للعامل ظاهراً وموقوفاً باطناً، فيجب التخلّص من حقّ البائع.

﴿ ولو تجاوز ما حدّ له المالكُ ﴾ من الزمان والمكان والصنف ﴿ ضمن،

__________________

(١) قاله الشيخ في المبسوط ٣:١٧٢.

(٢) قاله العلّامة في التذكرة (الحجريّة) ٢:٢٣٦، وتبعه المحقّق الثاني في جامع المقاصد ٨:٩٣ ـ ٩٤.