درس الروضة البهیة (فقه ۳) (المتاجر - المساقاة)

جلسه ۱۶۱: کتاب الودیعه ۱

 

﴿ كتاب الوديعة ﴾

﴿ وهي استنابة في الحفظ ﴾ أي استنابة فيه بالذات، فلا يرد مثل الوكالة في بيع شيء أو شرائه مع إثبات اليد عليه، فإنّها تستلزم الاستنابة فيه إلّا أنّها بالعرض، والقصد بالذات الإذن فيما وكّل فيه.

ثمّ الاستنابة إنّما تكون من المودِع. والوديعة لا تتمّ إلّا بالمتعاقدين، فلا تكون الوديعة هي الاستنابة، بل هي وقبولها وإن اكتفينا بالقبول الفعلي.

وكأنّ التعريف لمّا كان لعقدها ـ كما علم من مذهب المصنّف (١) ـ وكان المعتبر منه الإيجاب تسامَحَ في إطلاقها عليه، أو لأنّ الاستنابة تستلزم قبولها، فإنّها لو تجرّدت عنه لم تؤثّر.

﴿ وتفتقر إلى إيجاب وقبول ﴾ كغيرها من العقود ﴿ ولا حصر في الألفاظ الدالّة عليها ﴾ كما هو شأن العقود الجائزة من الطرفين، فيكفي كلّ لفظ دلّ عليها، بل التلويح والإشارة المفهمة لمعناها اختياراً.

﴿ ويكفي في القبول الفعل ﴾ لأنّ الغرض منه الرضا بها، وربما كان الفعل ـ وهو قبضها ـ أقوى من القول باعتبار دخولها في ضمانه، والتزامُه بحفظها

__________________

(١) مضى في باب البيع أنّه يريد بهذه الألفاظ نفس العقود.

بواسطة القبض وإن لم يحصل الإيجاب فيه أولى، إلّا أنّ فيه خروجاً عن باب العقود التي لا تتمّ إلّا بصيغة من الطرفين. ومن ثَمَّ قيل: إنّها إذن مجرّد لا عقد (١) وكيف كان: لا تجب مقارنة القبول للإيجاب قوليّاً كان أم فعليّاً.

﴿ ولو طرحها عنده ﴾ ولم يحصل منه ما يدلّ على الرضا ولا قبضها ﴿ أو أكرهه على قبضها لم تصر وديعة ﴾ لانتفاء القبول الشرعي فيهما.

وأمّا الإيجاب فقد يحصل بالطرح بأن يضمّ إليه قولاً أو ما في حكمه يفيده، وقد لا يحصل بأن يقتصر على مجرّد الطرح. وفي الثاني لا تصير وديعة وإن قبل قولاً أو فعلاً، لكن في الثاني يجب عليه الحفظ لليد، لا للوديعة. وفي الأوّل تتمّ بالقبول بهما (٢) فيجب عليه الحفظ.

وحيث لا يجب لعدم القبول قد يجب لأمر آخر، كما لو غاب المالك وتركها وخيف عليها الذهاب، فيجب من باب المعاونة على البرّ كفايةً، لكن لا ضمان بتركه.

وأمّا مع الإكراه ﴿ فلا يجب حفظها ﴾ مطلقاً، بل يجوز تركها وإن قبضها به في حضور المالك وغيبته، إلّا أن يكون المكرِه مضطرّاً إلى الإيداع، فيجب إعانته عليه كالسابق.

فقوله: «فلا يجب حفظها» مطلق في الثاني من حيث الوديعة، ومع عدم القبول أو القبض في الأوّل على ما فُصّل.

﴿ ولو قبل ﴾ الوديعة قولاً أو فعلاً ﴿ وجب ﴾ عليه ﴿ الحفظ ﴾ ما دام مستودعاً، وكذا بعده إلى أن يؤدّي إلى المالك أو من في حكمه. وبذلك يظهر

__________________

(١) لم نعثر عليه.

(٢) أي بأحدهما من القول أو الفعل.