درس الروضة البهیة (فقه ۳) (المتاجر - المساقاة)

جلسه ۱۶۲: کتاب الودیعه ۲

 

بواسطة القبض وإن لم يحصل الإيجاب فيه أولى، إلّا أنّ فيه خروجاً عن باب العقود التي لا تتمّ إلّا بصيغة من الطرفين. ومن ثَمَّ قيل: إنّها إذن مجرّد لا عقد (١) وكيف كان: لا تجب مقارنة القبول للإيجاب قوليّاً كان أم فعليّاً.

﴿ ولو طرحها عنده ﴾ ولم يحصل منه ما يدلّ على الرضا ولا قبضها ﴿ أو أكرهه على قبضها لم تصر وديعة ﴾ لانتفاء القبول الشرعي فيهما.

وأمّا الإيجاب فقد يحصل بالطرح بأن يضمّ إليه قولاً أو ما في حكمه يفيده، وقد لا يحصل بأن يقتصر على مجرّد الطرح. وفي الثاني لا تصير وديعة وإن قبل قولاً أو فعلاً، لكن في الثاني يجب عليه الحفظ لليد، لا للوديعة. وفي الأوّل تتمّ بالقبول بهما (٢) فيجب عليه الحفظ.

وحيث لا يجب لعدم القبول قد يجب لأمر آخر، كما لو غاب المالك وتركها وخيف عليها الذهاب، فيجب من باب المعاونة على البرّ كفايةً، لكن لا ضمان بتركه.

وأمّا مع الإكراه ﴿ فلا يجب حفظها ﴾ مطلقاً، بل يجوز تركها وإن قبضها به في حضور المالك وغيبته، إلّا أن يكون المكرِه مضطرّاً إلى الإيداع، فيجب إعانته عليه كالسابق.

فقوله: «فلا يجب حفظها» مطلق في الثاني من حيث الوديعة، ومع عدم القبول أو القبض في الأوّل على ما فُصّل.

﴿ ولو قبل ﴾ الوديعة قولاً أو فعلاً ﴿ وجب ﴾ عليه ﴿ الحفظ ﴾ ما دام مستودعاً، وكذا بعده إلى أن يؤدّي إلى المالك أو من في حكمه. وبذلك يظهر

__________________

(١) لم نعثر عليه.

(٢) أي بأحدهما من القول أو الفعل.

عدم المنافاة بين وجوب الحفظ وعدم وجوب البقاء على الوديعة من حيث إنّها عقد جائز.

﴿ ولا ضمان عليه ﴾ لو تلفت أو عابت ﴿ إلّا بالتعدّي ﴾ فيها بأن ركب الدابّة أو لبس الثوب أو فتح الكيس المختوم أو المشدود ﴿ أو التفريط ﴾ بأن قصّر في الحفظ عادةً ﴿ فلو اُخذت منه قهراً فلا ضمان ﴾ إن لم يكن سبباً في الأخذ القهري، بأن سعى بها إلى الظالم، أو أظهرها فوصل إليه خبرها مع مظنّته؛ ومثله ما لو أخبر بها اللصَّ فسرقها.

ولا فرق بين أخذ القاهر لها بيده وأمره له بدفعها إليه كرهاً؛ لانتفاء التفريط فيهما، فينحصر الرجوع على الظالم فيهما على الأقوى.

وقيل: يجوز له الرجوع على المستودع في الثاني وإن استقرّ الضمان على الظالم (١).

﴿ ولو تمكّن ﴾ المستودع ﴿ من الدفع ﴾ عنها بالوسائل الموجبة لسلامتها ﴿ وجب ما لم يؤدِّ إلى تحمّل الضرر الكثير، كالجرح وأخذ المال ﴾ فيجوز تسليمها حينئذٍ وإن قدر على تحمّله. والمرجع في الكثرة والقلّة إلى حال المكرَه، فقد تُعدّ الكلمة اليسيرة من الأذى كثيراً في حقّه؛ لكونه جليلاً لا يليق بحاله ذلك، ومنهم من لا يعتدّ بمثله.

وأمّا أخذ المال: فإن كان مال المستودع لم يجب بذله مطلقاً، وإن كان من الوديعة فإن لم يستوعبها وجب الدفع عنها ببعضها ما أمكن، فلو ترك مع القدرة على سلامة البعض فأخذ الجميع ضمن ما يمكن سلامته. وإن لم يمكن إلّا بأخذها أجمع فلا تقصير. ولو أمكن الدفع عنها بشيء من ماله لا يستوعب قيمتها جاز،

__________________

(١) قاله الحلبي في الكافي:٢٣٠، والعلّامة في التذكرة (الحجريّة) ٢:٢٠٥.

ورجع مع نيّته (١).

ولو أمكن حفظها عنه بالاستتار منه وجب، فيضمن بتركه ﴿ نعم يجب عليه اليمين لو قنع بها الظالم فيورّي ﴾ بما يخرجه عن الكذب، بأن يحلف أنّه ما استودع من فلان، ويخصّه بوقت أو جنس أو مكان أو نحوها مغايرٍ لما استودعه، وإنّما تجب التورية عليه مع علمه بها، وإلّا سقطت؛ لأنّه كذب مستثنى للضرورة، ترجيحاً لأخفّ القبيحين حيث تعارضا.

﴿ وتبطل ﴾ الوديعة ﴿ بموت كلّ منهما ﴾ المودع والمستودع، كغيرها من العقود الجائزة ﴿ وجنونه وإغمائه ﴾ وإن قصر وقتهما ﴿ فتبقى ﴾ في يد المستودع على تقدير عروض ذلك للمودع، أو يد وارثه أو وليّه أو يده بعد صحّته على تقدير عروضه له ﴿ أمانة شرعيّة ﴾ أي مأذوناً في حفظها من قبل الشارع، لا المالك، لبطلان إذنه بذلك. ومن حكم الأمانة الشرعيّة وجوبُ المبادرة إلى ردّها وإن لم يطلبها المالك.

و ﴿ لا يُقبل قول الودعي ﴾ وغيره ممّن هي في يده ﴿ في ردّها إلّا ببيّنة ﴾ بخلاف الأمانة المستندة إلى المالك، فإنّه لا يجب ردّها بدون الطلب أو ما في حكمه كانقضاء المدّة المأذون فيها، وقد يقبل قوله في ردّها كالوديعة، وقد لا يقبل كما إذا قبضها لمصلحته كالعارية والمضاربة.

ومن الأمانة الشرعيّة: ما بطل من الأمانة المالكيّة كالشركة والمضاربة بموت ونحوه، وما تُطيره الريح إلى دار الغير من الأمتعة، وما يُنزع من الغاصب بطريق الحسبة، وما يؤخذ من الصبيّ والمجنون من مال الغير وإن كان كسباً من قمار كالجوز والبيض، وما يؤخذ من مالهما وديعة عند خوف تلفه بأيديهما،

__________________

(١) في (ش) زيادة: وفي وجوبه نظر.