درس الروضة البهیة (فقه ۳) (المتاجر - المساقاة)

جلسه ۱۶۴: کتاب الودیعه ۴

 

الشارع لم يحدّ لها حدّاً، فيرجع إلى العادة ﴿ كالثوب والنقد في الصندوق ﴾ المقفَّل أو الموضوع في بيت محرز عن الغير ﴿ والدابّة في الاصطبل ﴾ المضبوط بالغلق ﴿ والشاة في المُراح ﴾ كذلك أو المحفوظ بنظر المستودع.

هذه الثلاثة ممّا جرت العادة بكونها حرزاً لما ذكر. وقد يفتقر إلى أمر آخر أو يقوم غيرها مقامها عادة.

ولا فرق في وجوب الحرز على المستودع بين من يملكه وغيره، ولا بين من يعلم أنّه لا حرز له وغيره.

﴿ ولو استودع من طفل أو مجنون ضمن ﴾ لأنّهما ليسا أهلاً للإذن، فيكون وضع يده على مالهما بغير إذن شرعي، فيضمن. إلّا أن يخاف تلفها في أيديهما فيقبضها بنيّة الحِسبة، فالأقوى عدم الضمان، لكن يجب مراجعة الوليّ ما أمكن. ولا فرق بين كون المال لهما و (١) لغيرهما وإن ادّعيا إذنه لهما في الإيداع.

﴿ و ﴾ حيث يقبض الوديعة منهما مع جوازه أو لا معه ﴿ يبرأ بالردّ إلى وليّهما ﴾ الخاصّ أو العامّ مع تعذّره، لا إليهما.

﴿ ويجب إعادة الوديعة على المودع ﴾ مع المطالبة في أوّل وقت الإمكان، بمعنى رفع يده عنها والتخلية بين المالك وبينها، فلو كانت في صُندوق مقفَّل ففتحه عليه، أو بيت محرز فكذلك، لا نقلها إلى المالك زيادةً على ذلك.

والعذر الشرعي كإكمال الصلاة وإن كانت نفلاً على الأقوى ما لم يتضرّر المالك بالتأخير، والعادي كانتظار انقطاع المطر ونحوه، كالعقلي. وفي إكمال الطعام والحمّام وجهان. والمعتبر في السعي القصد وإن قدر على الزيادة.

__________________

(١) في (ر) : أو.

والحكم ثابت كذلك ﴿ وإن كان ﴾ المودع ﴿ كافراً ﴾ مباح المال كالحربي؛ للأمر بأداء الأمانة إلى أهلها (١) من غير قيد. وروى الفضيل عن الرضا عليه‌السلام قال: «سألته عن رجل استودع رجلاً من مواليك مالاً له قيمة، والرجل الذي عليه المال رجل من العرب يقدر أن لا يُعطيه شيئاً، والمودع رجل خارجي شيطان، فلم أدع شيئاً، فقال عليه‌السلام: قل له: يردّ عليه، فإنّه ائتمنه عليه بأمانة اللّٰه» (٢) وعن الصادق عليه‌السلام «أدّوا الأمانات إلى أهلها وإن كانوا مجوساً» (٣).

﴿ ويضمن لو أهمل ﴾ الردّ ﴿ بعد المطالبة ﴾ وإمكان الردّ على الوجه السابق؛ لأنّه من أسباب التقصير، ولو كان التأخير لعذر وجب في أوّل أوقات إمكانه ﴿ أو أودعها ﴾ لغيره ولو لزوجته أو ثقة ﴿ من غير ضرورة ﴾ إلى الإيداع. فلو اضطرّ إليه ـ بأن خاف عليها من حرق أو سرق أو نهب لو بقيت في يده وتعذّر ردّها إلى المالك والحاكم ـ أودعها العدلَ. وفي حكم إيداعها اختياراً إشراك (٤) الغير في اليد ـ ولو زوجةً وولداً ـ ووَضعُها في محلّ مشترك في التصرّف بحيث لا يلاحظها في سائر الأوقات ﴿ أو سافر بها كذلك ﴾ أي من غير ضرورة إلى استصحابها في السفر، بأن أمكنه عند إرادة السفر إيصالها إلى المالك أو وكيله عامّاً أو خاصّاً أو إيداعها العدل، فترك وأخذها معه فيضمن.

__________________

(١) كما في الآية ٥٨ من سورة النساء.

(٢) التهذيب ٧:١٨١، الحديث ٧٩٥، والوسائل ١٣:٢٢٣ ـ ٢٢٤، الباب ٢ من أحكام الوديعة، الحديث ٩.

(٣) الوسائل ١٣:٢٢٣، الباب ٢ من أبواب أحكام الوديعة، الحديث ٥.

(٤) في سوى (ف) : اشتراك.

أمّا مع الضرورة، بأن تعذّر جميع ما تقدّم وخاف عليها في البلد، أو اضطرّ إلى السفر فلا ضمان، بل قد يجب؛ لأنّه من ضروب الحفظ.

والمعتبر في تعذّر التوصّل إلى المالك ومن بحكمه المشقّةُ الكثيرة عرفاً، وفي السفر العرفيُّ أيضاً، فما قصر عنه كالتردّد إلى حدود البلد وقرى لا يطلق على الذهاب إليها السفر يجوز فيه مصاحبتها مع أمن الطريق. ولا يجوز إيداعها في مثله مع إمكان استصحابها.

واستثني منه ما لو أودعه مسافراً، أو كان المستودع منتجعاً فإنّه يسافر بها من غير ضمان؛ لقدوم المالك عليه.

﴿ أو طَرَحَها في موضع تتعفّن فيه ﴾ وإن كان حرزاً لمثلها؛ لما عرفت من أنّ الحرز مشروط باُمور اُخر هذا منها. وفي حكم العفن الموضع المفسد كالندى للكتب. وضابطه: ما لا يصلح لتلك الوديعة عرفاً بحسب مدّة إقامتها فيه.

﴿ أو تَرَكَ سقيَ الدابّة أو علفها ما لا تصبر عليه عادةً ﴾ ومثلها المملوك. والمعتبر السقي والعلف بحسب المعتاد لأمثالها، فالنقصان عنه تفريط، وهو المعبّر عنه بعدم صبرها عليه، فيضمنها حينئذٍ وإن ماتت بغيره.

ولا فرق في ذلك بين أن يأمره بهما ويطلق وينهاه؛ لوجوب حفظ المال عن التلف. هذا هو الذي يقتضيه إطلاق العبارة، وهو أحد القولين في المسألة (١).

__________________

(١) لم نعثر على القول بالضمان، حتى في صورة نهي المالك، وقال العلّامة في التذكرة (الحجرية) ٢:٢٠٣: وقال بعضهم يجب عليه الضمان، وظاهره أنّ القائل هو بعض العامّة، ونقله في المجموع ١٥:٢٨. وأمّا القول بعدم الضمان فهو المعروف، وقد ذهب إليه الشيخ في المبسوط ٤:١٣٩، والمحقّق في الشرائع ٢:١٦٤، والعلّامة في التحرير ٣:١٩٨، والقواعد ٢:١٨٦.