درس الروضة البهیة (فقه ۳) (المتاجر - المساقاة)

جلسه ۱۶۶: کتاب الودیعه ۶

 

المتناول وكالتُه مثلَ ذلك، مخيّر (١) فيهما ﴿ فإن تعذّر ﴾ المالك أو وكيله ﴿ فالحاكم ﴾ الشرعيّ ﴿ عند الضرورة إلى ردّها ﴾ لا بدونه؛ لأنّ الحاكم لا ولاية له على من له وكيل، والودعيّ بمنزلته. وإنّما جاز الدفع إليه عند الضرورة، دفعاً للحرج والإضرار، وتنزيلاً له حينئذٍ منزلةَ من لا وكيل له.

وتتحقّق الضرورة بالعجز عن الحفظ، وعروض خوفٍ يفتقر معه إلى التستّر المنافي لرعايتها، أو الخوف على أخذ المتغلّب لها تبعاً لماله أو استقلالاً، أو الخوف عليها من السرق أو الحرق أو النهب، ونحو ذلك. فإن تعذّر الحاكم حينئذٍ أودعها الثقة. ولو دفعها إلى الحاكم مع القدرة على المالك ضمن، كما يضمن لو دفعها إلى الثقة مع القدرة على الحاكم أو المالك.

﴿ ولو أنكر الوديعة حلف ﴾ لأصالة البراءة ﴿ ولو أقام ﴾ المالك ﴿ بها بيّنة قبلَ حلفِه ضمن ﴾ لأنّه متعدٍّ بجحوده لها ﴿ إلّا أن يكون جوابه: «لا تستحقّ عندي شيئاً» وشبهه ﴾ كقوله: «ليس لك عندي وديعة يلزمني ردّها ولا عوضها» فلا يضمن بالإنكار، بل يكون كمدّعي التلف يُقبل قوله بيمينه أيضاً؛ لإمكان تلفها بغير تفريط، فلا تكون مستحقّة عنده، ولا يناقض قولُه البيّنةَ. ولو أظهر لإنكاره الأوّل تأويلاً، كقوله: «ليس لك عندي وديعة يلزمني ردُّها، أو ضمانُها» ونحو ذلك، فالأقوى القبول أيضاً، واختاره المصنّف رحمه‌الله في بعض تحقيقاته (٢).

﴿ والقول قول الودعيّ في القيمة لو فرّط ﴾ لأصالة عدم الزيادة

__________________

(١) في (ر) : مخيّراً.

(٢) لم نعثر عليه.

عمّا يعترف به. وقيل: قول المالك؛ لخروجه بالتفريط عن الأمانة (١).

ويضعَّف بأ نّه ليس مأخذ القبول (٢).

﴿ وإذا مات المودع سلّمها ﴾ المستودع ﴿ إلى وارثه ﴾ إن اتّحد ﴿ أو إلى من يقوم مقامه ﴾ من وكيلٍ ووليّ، فإن تعدّد سلّمها إلى الجميع إن اتّفقوا في الأهليّة، وإلّا فإلى الأهل ووليِّ الناقص ﴿ ولو سلّمها إلى البعض ﴾ من دون إذن الباقين ﴿ ضمن للباقي ﴾ بنسبة حصّتهم؛ لتعدّيه فيها بتسليمها إلى غير المالك. وتجب المبادرة إلى ردّها إليهم حينئذٍ كما سلف، سواء علم الوارث بها أم لا.

﴿ ولا يبرأ ﴾ المستودع ﴿ بإعادتها إلى الحرز لو تعدّى ﴾ فأخرجها منه ﴿ أو فرّط ﴾ بتركه غير مقفل ثمّ قفله ونحوه؛ لأنّه صار بمنزلة الغاصب فيستصحب حكم الضمان إلى أن يحصل من المالك ما يقتضي زواله بردّه عليه ثمّ يجدّد له الوديعة، أو يجدّد له الاستئمان بغير ردّ كأن يقول له: «أودعتكها» أو «استأمنتك عليها» ونحوه على الأقوى. وقيل: لا يعود بذلك (٣) كما لا يزول الضمان عن الغاصب بإيداعه؛ أو يبرئه من الضمان على قول قويّ.

﴿ ويُقبل قوله بيمينه في الردّ ﴾ وإن كان مدّعياً بكلّ وجه على المشهور؛ لأ نّه محسن وقابض لمحض مصلحة المالك والأصل براءة ذمّته.

__________________

(١) قاله المفيد في المقنعة:٦٢٦، والشيخ في النهاية:٤٣٧، وابن زهرة في الغنية:٢٨٤.

(٢) يعني أنّ مأخذ قبول قول الودعيّ ليس كونه أميناً ليخرج بالتفريط عن الأمانة، بل كونه منكراً للزائد.

(٣) قاله ابن حمزة في الوسيلة:٢٧٥.

هذا إذا ادّعى ردّها على من ائتمنه. أمّا لو ادّعاه على غيره ـ كوارثه ـ فكغيره من الاُمناء؛ لأصالة عدمه، وهو لم يأتمنه فلا يكلَّف تصديقه.

ودعوى ردّها على الوكيل كدعواه على الموكل؛ لأنّ يده كيده.

كتاب العارية

﴿ كتاب العارية ﴾

بتشديد الياء، وتخفَّف، نسبة إلى «العار» ؛ لأنّ طلبها عار، أو إلى «العارة» مصدر ثانٍ لأعرته إعارة، كالجابة للإجابة، أو من «عارَ» إذ جاء وذهب لتحوّلها من يد إلى اُخرى، أو من «التعاور» وهو التداول. وهي من العقود الجائزة تثمر جواز التصرّف في العين بالانتفاع مع بقاء الأصل غالباً.

﴿ ولا حصر أيضاً ﴾ أي عوداً إلى ما ذُكر في الوديعة ﴿ في ألفاظها ﴾ إيجاباً وقبولاً، بل كلّ ما دلّ على الإذن من طرف المعير فهو إيجاب. ويكفي الفعل في القبول، بل لو استفيد رضاه من غير الألفاظ ـ كالكتابة والإشارة ـ ولو مع القدرة على النطق كفى.

ومثله ما لو دفع إليه ثوباً حيث وجده عارياً أو محتاجاً إلى لُبسه، أو فرش لضيفه فراشاً، أو ألقى إليه وسادة أو مِخَدّة. واكتفى في التذكرة بحسن الظنّ بالصديق في جواز الانتفاع بمتاعه (١) وينبغي تقييده بكون منفعته ممّا يتناوله الإذن الوارد في الآية بجواز الأكل من بيته (٢) بمفهوم الموافقة، وتعدّيه إلى من تناولته من

__________________

(١) التذكرة (الحجريّة) ٢:٢١١.

(٢) النور:٦١.

الأرحام، لا مطلق حسن الظنّ؛ لعدم الدليل؛ إذ المساوي قياس والأضعف ممتنع بطريق أولى.

﴿ ويشترط كون المعير كاملاً جائزَ التصرّف، ويجوز إعارة الصبيّ بإذن الوليّ ﴾ لمال نفسه ووليّه؛ لأنّ المعتبر إذن الوليّ وهو كافٍ في تحقّق هذا العقد.

هذا إذا علم المستعير بإذن الوليّ، وإلّا لم يُقبل قول الصبيّ في حقّه، إلّا أن تنضمّ إليه قرائن تفيد الظنّ المتاخم للعلم به، كما إذا طلبها من الوليّ فجاء بها الصبيّ وأخبر أنّه أرسله بها، ونحو ذلك؛ كما يُقبل قوله في الهديّة والإذن في دخول الدار بالقرائن.

ولا بدّ مع إذن الوليّ له في إعارة ماله من وجود المصلحة بها بأن تكون يد المستعير أحفظ من يد الوليّ في ذلك الوقت، أو لانتفاع الصبيّ بالمستعير بما يزيد عن منفعة ماله، أو تكون العين ينفعها الاستعمال ويضرّها الإهمال، ونحو ذلك.

﴿ وكون العين ممّا يصحّ الانتفاع بها مع بقائها ﴾ فلا يصحّ إعارة ما لا يتمّ الانتفاع به إلّا بذهاب عينه كالأطعمة. ويستثنى من ذلك المِنْحة وهي الشاة المستعارة للحلب؛ للنصّ (١) وفي تعدّيه إلى غيرها من الحيوان المتّخذ للحلب وجهان، والاقتصار فيما خالف الأصل على موضع اليقين أجود.

﴿ وللمالك الرجوع فيها متى شاء ﴾ لاقتضاء جواز العقد ذلك ﴿ إلّا في الإعارة للدفن ﴾ أي دفن الميّت المسلم ومن بحكمه (٢) فلا يجوز الرجوع فيه ﴿ بعد الطمّ ﴾ لتحريم نبشه وهتك حرمته إلى أن تندرس عظامه. ولو رجع قبلَه جاز وإن كان الميّت قد وُضع على الأقوى؛ للأصل.

__________________

(١) اُنظر الوسائل ١٢:٢٦٠، الباب ٩ من أبواب عقد البيع وشروطه، الحديث ١ و ٤، والمستدرك ١٣:٣٩٣، الباب ٤ من أبواب الدين والقرض، الحديث ٤.

(٢) كالطفل والمجنون واللقيط بشرطه.