درس الروضة البهیة (فقه ۳) (المتاجر - المساقاة)

جلسه ۱۶۹: کتاب العاریه ۳

 

﴿ ولا يجوز ﴾ للمستعير ﴿ إعارة العين المستعارة إلّا بإذن المالك ﴾ لأنّ الإعارة إنّما تناولت الإذن له خاصّة. نعم يجوز له استيفاء المنفعة بنفسه ووكيله، لكن لا يُعدّ ذلك إعارة؛ لعود المنفعة إليه، لا إلى الوكيل.

وحيث يعير يضمن العين والمنفعة، ويرجع المالك على من شاء منهما، فإن رجع على المستعير الأوّل لم يرجع على الثاني الجاهل، إلّا أن تكون العارية مضمونة فيرجع عليه ببدل العين خاصّة، ولو كان عالماً استقرّ الضمان عليه كالغاصب. وإن رجع على الثاني رجع على الأوّل بما لا يرجع عليه به لو رجع عليه؛ لغروره ﴿ ولو شرط سقوط الضمان في الذهب والفضّة صحّ ﴾ عملاً بالشرط.

﴿ ولو شرط سقوطه مع التعدّي أو التفريط احتمل الجواز ﴾ لأنّه في قوّة الإذن له في الإتلاف فلا يستعقب الضمان ﴿ كما لو أمره بإلقاء متاعه في البحر ﴾ ويحتمل عدم صحّة الشرط؛ لأنّهما من أسباب الضمان، فلا يعقل إسقاطه قبل وقوعه؛ لأنّه كالبراءة ممّا لم يجب. والأوّل أقوى.

﴿ ولو قال الراكب: أعرتنيها، وقال المالك: آجرتكها حلف الراكب ﴾ لاتّفاقهما على أنّ تلف المنافع وقع على ملك المستعير، وإنّما يختلفان في الاُجرة، والأصل براءة ذمّته منها.

﴿ وقيل ﴾ : يحلف ﴿ المالك ﴾ لأنّ المنافع أموال كالأعيان فهي بالأصالة لمالك العين، فادّعاء الراكب ملكيّتها بغير عوض على خلاف الأصل، وأصالة براءة ذمّته إنّما تصحّ من خصوص ما ادّعاه المالك، لا من مطلق الحقّ بعد استيفائه منفعة ملك غيره (١) ﴿ وهو أقوى، ولكن ﴾ لا يقبل قوله فيما يدّعيه من الاُجرة؛

__________________

(١) قاله ابن إدريس في السرائر ٢:٤٣١، والمحقّق في الشرائع ٢:١٧٥، والعلّامة في التحرير ٣:٢١٩.

لأنّه فيها مدّعٍ، كما أنّ الراكب بالنسبة إلى العارية مدّعٍ، بل يحلف على نفي العارية و (يثبت له اُجرة المثل ﴾ لثبوت أنّ الراكب تصرّف في ملك غيره بغير تبرّع منه ﴿ إلّا أن تزيد ﴾ اُجرة المثل ﴿ على ما ادّعاه ﴾ المالك ﴿ من المسمّى ﴾ فيثبت المسمّى؛ لاعترافه بعدم استحقاقه سواه.

ويشكل بأنّ المالك يدّعي الزائد من الاُجرة على تقدير زيادة ما يدّعيه عن اُجرة المثل، والراكب ينفيه، فلا بدّ من وجهٍ شرعيّ يقتضي نفيَه، وحلفه على نفي الإعارة لم يدلّ على نفي الإجارة كما لم يدلّ على إثباتها، وإثبات أقلّ الأمرين باليمين مسلّم، لكن يبقى النزاع في الزائد على تقديره، لا يندفع إلّا بحلف الراكب على نفي الإجارة أو نكوله، فيحلف المالك عليها ويأخذ الزيادة.

فالأقوى حينئذٍ أنّهما يتحالفان؛ لأنّ كلّاً منهما مدّعٍ ومدّعى عليه، فيحلف المالك على نفي الإعارة والراكب على نفي الإجارة، ويثبت أقلّ الأمرين؛ لانتفاء الزائد من المسمّى بيمين المستعير والزائد من اُجرة المثل باعتراف المالك. وهذا هو الذي اختاره المصنّف في بعض تحقيقاته (١).

هذا إذا وقع الاختلاف بعد انقضاء مدّة لها اُجرة عادةً، أو ما يدّعى كونها مدّةَ الإجارة، أمّا قبله فالقول قول الراكب في نفي الإجارة، وتُستردّ العين.

__________________

(١) الظاهر أنّه اختاره في حواشيه على القواعد حسب ما نقل عنه في مفتاح الكرامة ٦:٨٣، وفي مبحث المزارعة من غاية المراد ٢:٣٣٢ ما يؤيّد المنقول المختار.