درس الروضة البهیة (فقه ۳) (المتاجر - المساقاة)

جلسه ۱۷۱: کتاب المزارعه ۲

 

﴿ وللمالك قلعه ﴾ إذ لا حقّ للزارع بعدها، فيتخيّر المالك بين القلع والإبقاء بالاُجرة إن رضي العامل بها، وإلّا قلع. ولا اُجرة للمالك على ما مضى من المدّة لو لم ينتفع بالمقلوع؛ لأنّ مقتضى العقد قصر الحقّ على الحصّة مع احتمال وجوبها على الزارع لو كان التأخير بتفريطه؛ لتضييعه منفعة الأرض بتأخيره. ولا فرق في كون المقلوع بينهما بين كون البذر من مالك الأرض والزارع.

وهل يستحقّ المالك قلعه بالأرش، أو مجّاناً؟ قولان (١) وظاهر العبارة ككثيرٍ عدمُه. وعلى القول به، فطريق معرفته: أن يقوَّم الزرع قائماً بالاُجرة إلى أوان حصاده ومقلوعاً.

﴿ ولا بدّ من إمكان الانتفاع بالأرض ﴾ في الزراعة المقصودة منها، أو في نوعٍ منها مع الإطلاق ﴿ بأن يكون لها ماء من نهر أو بئر أو مصنع، أو تسقيها الغيوث غالباً ﴾ أو الزيادة كالنيل. والضابط: إمكان الانتفاع بزرعها المقصود عادةً، فإن لم يمكن بطلت المزارعة وإن رضي العامل.

﴿ ولو انقطع ﴾ الماء ﴿ في جميع المدّة ﴾ مع كونه معتاداً لها قبلَ ذلك ﴿ انفسخت ﴾ المزارعة ﴿ وفي الأثناء يتخيّر العامل ﴾ لطروّ العيب. ولا يبطل العقد؛ لسبق الحكم بصحّته فيستصحب، والضرر يندفع بالخيار ﴿ فإن فسخ فعليه ﴾ من الاُجرة ﴿ بنسبة ما سلف ﴾ من المدّة؛ لانتفاعه بأرض الغير بعوضٍ لم يسلم له وزواله باختياره الفسخَ.

__________________

(١) القول بالأرش للعلّامة في القواعد ٢:٣١٢، والصيمري في غاية المرام ٢:٢٦٨. وأمّا القول الآخر فلم نعثر على المصرّح به. نعم، نسب في مفتاح الكرامة ٧:٣١٠ إلى ظاهر المقنعة والشرائع والتحرير والإرشاد وغيرها، اُنظر المقنعة:٦٣٦، والشرائع ٢:١٥٠، والتحرير ٣:١٣٩، والإرشاد ١:٤٢٧.

ويشكل بأنّ فسخه لعدم إمكان الإكمال، وعمله الماضي مشروط بالحصّة لا بالاُجرة، فإذا فاتت بالانقطاع ينبغي أن لا يلزمه شيء آخر. نعم لو كان قد استأجرها للزراعة توجّه ذلك.

﴿ وإذا أطلق المزارعةَ زرع ﴾ العامل ﴿ ما شاء ﴾ إن كان البذر منه ـ كما هو الغالب ـ أو بذل المالك ما شاء إن شرط عليه. وإنّما تخيّر مع الإطلاق؛ لدلالة المطلق على الماهيّة من حيث هي، وكلّ فرد من أفراد الزرع يصلح أن يُوجد المطلق في ضمنه. وأولى منه لو عمّم الإذن؛ لدلالته على كلّ فردٍ فردٍ.

وربما فُرّق (١) بين الإطلاق والتعميم؛ بناءً على أنّ الإطلاق إنّما يقتضي تجويز القدر المشترك بين الأفراد، ولا يلزم من الرضا بالقدر المشترك الرضا بالأقوى، بخلاف التعميم. وممّا ذكرناه (٢) يظهر ضعفه.

﴿ ولو عيّن ﴾ شيئاً من الزرع ﴿ لم يتجاوز ﴾ ما عيّن له، سواء كان المعيَّن شخصيّاً كهذا الحبّ، أم صنفيّاً كالحنطة الفلانيّة، أم نوعيّاً، أم غيره، لاختلاف الأغراض باختلافه، فيتعيّن ما تعلّق به ﴿ فلو ﴾ خالف و (زَرَع الأضرّ قيل: تخيّر المالك بين الفسخ، فله اُجرة المثل ﴾ عمّا زرعه ﴿ وبين الإبقاء، فله المسمّى مع الأرش ﴾ (٣).

ووجه التخيير: أنّ مقدار المنفعة المعقود عليها قد استوفي بزيادة في ضمن

__________________

(١) قوّاه في التذكرة (الحجريّة) ٢:٣٤٠، وتبعه في جامع المقاصد ٧:٣٢٧، وقال: والأصحّ وجوب التعيين إن لم يعمّم.

(٢) وهو قوله: لدلالة المطلق على الماهيّة من حيث هي.

(٣) قاله المحقّق في الشرائع ٢:١٥١، والعلّامة في القواعد ٢:٣١٣، والتحرير ٣:١٤٠، والإرشاد ١:٤٢٧، وغيرها.

زرع الأضرّ، فيتخيّر بين الفسخ لذلك فيأخذ الاُجرة لما زرع، لوقوعه أجمع بغير إذنه؛ لأنّه غير المعقود عليه، وبين أخذ المسمّى في مقابلة مقدار المنفعة المعيّنة مع أخذ الأرش في مقابلة الزائد الموجب للضرر.

ويشكل بأنّ الحصّة المسمّاة إنّما وقعت في مقابلة زرع المعيَّن ولم يحصل، والذي زرع لم يتناوله العقد ولا الإذن، فلا وجه لاستحقاق المالك فيه الحصّة، ومن ثَمّ نسبه إلى القيل تنبيهاً على تمريضه.

والأقوى وجوب اُجرة المثل خاصّة.

﴿ ولو كان ﴾ المزروع ﴿ أقلّ ضرراً ﴾ من المعيَّن ﴿ جاز ﴾ فيستحقّ ما سمّاه من الحصّة ولا أرش ولا خيار؛ لعدم الضرر.

ويشكل بأ نّه غير معقود عليه أيضاً، فكيف يستحقّ فيه شيئاً؟ مع أنّه نماء بذر العامل الذي لا دليل على انتقاله عن ملكه.

والأقوى ثبوت اُجرة المثل أيضاً كالسابق.

﴿ ويجوز أن يكون من أحدهما الأرض حسبُ، ومن الآخر البذر والعمل والعوامل ﴾ وهذا هو الأصل في المزارعة. ويجوز جعل اثنين من أحدهما والباقي من الآخر، وكذا واحد وبعض الآخر. ويتشعّب من الأركان الأربعة (١) صور كثيرة لا حصر لها بحسب شرط بعضها من أحدهما والباقي من الآخر.

﴿ وكلّ واحدة من الصور الممكنة جائزة ﴾ متى كان من أحدهما بعضها ـ ولو جزء من الأربعة ـ ومن الآخر الباقي، مع ضبط ما على كلّ واحد.

﴿ ولو اختلفا في المدّة حلف منكر الزيادة ﴾ لأصالة عدمها، فإن بقي

__________________

(١) الأرض، البذر، العمل، العوامل.

الزرع بعد ما ثبت منها فكما سبق (١) ﴿ و ﴾ لو اختلفا ﴿ في الحصّة ﴾ حلف ﴿ صاحب البذر ﴾ لأنّ النماء تابع له، فيقدّم قول مالكه في حصّة الآخر؛ لأصالة عدم خروج ما زاد عن ملكه وعدم استحقاق الآخر له، واتّفاقهما على عقد تضمّن حصّةً إنّما نقل عنه في أصل الحصّة، لا في الحصّة المعيّنة، فيبقى حكم إنكار الزائد بحاله، لم يخرج عن الأصل.

﴿ ولو أقاما بيّنة قُدّمت بيّنة الآخر ﴾ في المسألتين، وهو العامل في الاُولى؛ لأنّ مالك الأرض يدّعي تقليل المدّة فيكون القول قوله والبيّنة بيّنة غريمه العامل. ومَن ليس له بذر في الثانية ـ من العامل ومالك الأرض ـ لأنّه الخارج بالنظر إلى الباذر حيث قُدّم قوله مع عدم البيّنة.

﴿ وقيل: يقرع (٢) ﴾ لأنّها لكلّ أمر مشكل.

ويشكل بأ نّه لا إشكال هنا، فإنّ من كان القول قوله فالبيّنة بيّنة صاحبه، فالقول بتقديم بيّنة المدّعي فيهما أقوى.

﴿ وللمزارع أن يزارع غيرَه أو يشارك غيرَه ﴾ لأنّه يملك منفعة الأرض بالعقد اللازم فيجوز له نقلُها ومشاركةُ غيره عليها؛ لأنّ الناس مسلّطون على أموالهم. نعم لا يجوز له تسليم الأرض إلّا بإذن مالكها.

وربما اشترط كون البذر منه ليكون تمليك الحصّة منوطاً به، وبه يفرّق بينه وبين عامل المساقاة حيث لم يجز له أن يساقي غيره. وهو يتمّ في مزارعة غيره لا في مشاركته. ويمكن الفرق بينهما بأنّ عمل الاُصول في المساقاة مقصود

__________________

(١) سبق عند قول الماتن قدس‌سره: «ولو مضت المدّة والزرع باقٍ ...» راجع الصفحة ٤٩٨ ـ ٤٩٩.

(٢) قاله الشيخ في الخلاف ٣:٥٢١، المسألة ١٠ من كتاب المزارعة.