درس الروضة البهیة (فقه ۳) (المتاجر - المساقاة)

جلسه ۱۷۰: کتاب المزارعه ۱

 

﴿ كتاب المزارعة ﴾

﴿ وهي ﴾ لغة مفاعَلَة من الزرع، وهي تقتضي وقوعه منهما معاً، لكنّها في الشرع صارت ﴿ معامَلة على الأرض بحصّة من حاصلها إلى أجل معلوم ﴾ ونُسب الفعل إليهما بفعل أحدهما مع طلب الآخر فكأ نّه لذلك فاعل كالمضاربة. وخرج بالمعاملة على الأرض المساقاةُ، فإنّها بالذات على الاُصول. وبالحصّة إجارةُ الأرض للزراعة أو الأعمّ؛ إذ لا تصحّ بحصّة من الحاصل. وقيدُ الأجَل لبيان الواقع أو تخصيصٌ للصحيحة، أو استطراد لبعض الشرائط التي يحصل بها الكشف عن الماهيّة وإن لم يكن ذكرها من وظائف التعريف.

﴿ وعبارتها : زارعتك أو عاملتك أو سلّمتها إليك، وشبهه ﴾ كقبّلتك هذه الأرض، ونحوه من صيغ الماضي الدالّة على إنشاء العقد صريحاً.

والمشهور جوازها بصيغة «ازرع هذه الأرض» استناداً إلى رواية (١) قاصرة الدلالة عن إخراج هذا العقد اللازم عن نظائره، فالمنع أوجه ﴿ فيقبل ﴾ الزارع ﴿ لفظاً ﴾ على الأقوى كغيره.

__________________

(١) الوسائل ١٣:٢٠٠ ـ ٢٠١، الباب ٨ من كتاب المزارعة، الحديثان ٥ و ١٠.

﴿ وعقدها لازم ﴾ لعموم الأمر بالوفاء بالعقود (١) إلّا ما أخرجه الدليل، وليس هذا منه إجماعاً.

﴿ ويصحّ التقايل ﴾ فيه؛ لأنّه معاوضة محضة، فيقبلها كالبيع ﴿ ولا تبطل بموت أحدهما ﴾ لأنّ ذلك من مقتضى اللزوم.

ثمّ إن كان الميّت العاملَ قام وارثه مقامَه في العمل، وإلّا استأجر الحاكم عليه من ماله أو على ما يخرج من حصّته. وإن كان المالكَ بقيت بحالها، وعلى العامل القيام بتمام العمل. واستثني من الأوّل ما لو شُرط عليه العمل بنفسه فمات قبله.

ويشكل لو مات بعده خصوصاً بعد ظهور الثمرة وقبل تمام العمل؛ لأنّه قد ملك الحصّة.

﴿ ولا بدّ من كون النماء مشاعاً ﴾ بينهما ﴿ تساويا فيه، أو تفاضلا ﴾ فلو شرط لأحدهما شيء معيّن وإن كان البذر وللآخر الباقي أو لهما بطل سواء كان الغالب أن يخرج منها ما يزيد على المشروط وعدمه ﴿ ولو شرط أحدهما على الآخر شيئاً يضمنه * مضافاً إلى الحصّة ﴾ من ذهبٍ أو فضّة أو غيرهما ﴿ صحّ ﴾ على المشهور ويكون قراره مشروطاً بالسلامة، كاستثناء أرطال معلومة من الثمرة في البيع. ولو تلف البعض سقط من الشرط بحسابه؛ لأنّه كالشريك وإن كانت حصّته معيّنة مع احتمال أن لا يسقط شيء بذلك؛ عملاً بإطلاق الشرط.

﴿ ولو مضت المدّة والزرع باقٍ، فعلى العامل الاُجرة ﴾ لما بقي من المدّة

__________________

(١) المائدة:١.

(*) في (س) ونسخة (ع) من الشرح: يضمّه، وفي (ق) : بضميمة.

﴿ وللمالك قلعه ﴾ إذ لا حقّ للزارع بعدها، فيتخيّر المالك بين القلع والإبقاء بالاُجرة إن رضي العامل بها، وإلّا قلع. ولا اُجرة للمالك على ما مضى من المدّة لو لم ينتفع بالمقلوع؛ لأنّ مقتضى العقد قصر الحقّ على الحصّة مع احتمال وجوبها على الزارع لو كان التأخير بتفريطه؛ لتضييعه منفعة الأرض بتأخيره. ولا فرق في كون المقلوع بينهما بين كون البذر من مالك الأرض والزارع.

وهل يستحقّ المالك قلعه بالأرش، أو مجّاناً؟ قولان (١) وظاهر العبارة ككثيرٍ عدمُه. وعلى القول به، فطريق معرفته: أن يقوَّم الزرع قائماً بالاُجرة إلى أوان حصاده ومقلوعاً.

﴿ ولا بدّ من إمكان الانتفاع بالأرض ﴾ في الزراعة المقصودة منها، أو في نوعٍ منها مع الإطلاق ﴿ بأن يكون لها ماء من نهر أو بئر أو مصنع، أو تسقيها الغيوث غالباً ﴾ أو الزيادة كالنيل. والضابط: إمكان الانتفاع بزرعها المقصود عادةً، فإن لم يمكن بطلت المزارعة وإن رضي العامل.

﴿ ولو انقطع ﴾ الماء ﴿ في جميع المدّة ﴾ مع كونه معتاداً لها قبلَ ذلك ﴿ انفسخت ﴾ المزارعة ﴿ وفي الأثناء يتخيّر العامل ﴾ لطروّ العيب. ولا يبطل العقد؛ لسبق الحكم بصحّته فيستصحب، والضرر يندفع بالخيار ﴿ فإن فسخ فعليه ﴾ من الاُجرة ﴿ بنسبة ما سلف ﴾ من المدّة؛ لانتفاعه بأرض الغير بعوضٍ لم يسلم له وزواله باختياره الفسخَ.

__________________

(١) القول بالأرش للعلّامة في القواعد ٢:٣١٢، والصيمري في غاية المرام ٢:٢٦٨. وأمّا القول الآخر فلم نعثر على المصرّح به. نعم، نسب في مفتاح الكرامة ٧:٣١٠ إلى ظاهر المقنعة والشرائع والتحرير والإرشاد وغيرها، اُنظر المقنعة:٦٣٦، والشرائع ٢:١٥٠، والتحرير ٣:١٣٩، والإرشاد ١:٤٢٧.