درس الروضة البهیة (فقه ۵) (الطلاق - الغصب)

جلسه ۴: اقسام طلاق ۴

 

لا يقبلون ما يقوله برأيه. قال : وقد وقع منه من العدول عن اعتقاد مذهب الحقّ إلى الفطحيّة ما هو معروف ، والغلط في ذلك أعظم من الغلط في إسناد فُتياً يعتقد صحّته لشبهة دخلت عليه إلى بعض أصحاب الأئمّة عليهم‌السلام (١).

﴿ والأصحّ احتياجه إليه ﴾ أي إلى المحلّل؛ للأخبار الصحيحة الدالّة عليه (٢) وعموم القرآن الكريم (٣) بل لا يكاد يتحقّق في ذلك خلاف؛ لأنّه لم يذهب إلى القول الأوّل أحد من الأصحاب على ما ذكره جماعة (٤) وعبد اللّٰه بن بكير ليس من أصحابنا الإماميّة ، ونسبة المصنّف له إلى أصحابنا التفاتاً إلى أنّه من الشيعة في الجملة ، بل من فقهائهم ـ على ما نقلناه عن الشيخ ـ وإن لم يكن إماميّاً. ولقد كان ترك حكاية قوله في هذا المختصر أولى.

﴿ ويجوز طلاق الحامل أزيد من مرّة ﴾ مطلقاً (٥) على الأقوى ﴿ ويكون طلاق عدّة إن وطئ ﴾ بعد الرجعة ثمّ طلّق ﴿ وإلّا ﴾ يطأ بعدها ﴿ فسُنّة بمعناه الأعمّ ﴾ وأمّا طلاق السنّة بالمعنى الأخصّ فلا يقع بها؛ لأنّه مشروط بانقضاء العدّة ثمّ تزويجها ثانياً كما سبق (٦) وعدّة الحامل لا تنقضي إلّابالوضع ،

__________________

(١) التهذيب ٨ : ٣٦ ، ذيل الحديث ١٠٧ ، والوسائل ١٥ : ٣٥٦ ، الباب ٣ من أبواب أقسام الطلاق ، ذيل الحديث ١٦.

(٢) اُنظر الوسائل ١٥ : ٣٥٠ و ٣٥٧ ، الباب ٣ و ٤ من أبواب أقسام الطلاق.

(٣) وهو عموم قوله تعالى (فَإِنْ طَلَّقَهٰا فَلاٰ تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتّٰى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ) البقرة : ٢٣٠.

(٤) مثل : ابن فهد الحلّي في المهذّب البارع ٣ : ٤٦٥ ، والفاضل المقداد في التنقيح الرائع ٣ : ٣٢٠.

(٥) سواء مضت ثلاثة أشهر أم لا.

(٦) في الصفحة ٣٦٠.

وبه تخرج عن كونها حاملاً ، فلا يصدق أنّها طُلّقت طلاقَ السُنّة بالمعنى الأخصّ ما دامت حاملاً ، إلّاأن يُجعل وضعها قبل الرجعة كاشفاً عن كون طلاقها السابق طلاق سُنّة بذلك المعنى. والأقوال هنا مختلفة (١) كالأخبار (٢) والمحصَّل ما ذكرناه.

﴿ والأولى تفريق الطَلَقات على الأطهار ﴾ بأن يوقع كلّ طلقة في طهر غير طهر الطلقة السابقة ﴿ لمن ﴾ أراد أن ﴿ يُطلّق ويراجع ﴾ أزيد من مرّة.

وهذه الأولويّة بالإضافة إلى ما يأتي بعده ، وإلّا فهو موضع الخلاف وإن

__________________

(١) وهي أربعة :

الأوّل : قول الصدوقين في الرسالة والمقنع ، وهو أنّه إذا راجع الحبلى قبل أن تضع أو يمضي لها ثلاثة أشهر ثمّ أراد طلاقها ثانياً لم يكن له ذلك إلّابعد الوضع والطهر ، ولم يفصّلا ، اُنظر المختلف ٧ : ٣٦٢ ، والمقنع : ٣٤٦.

الثاني : قول الإسكافي وهو أنّه إذا أراد طلاقها بعد الرجعة وكان قد واقعها ، اشترط مضيّ شهر من المواقعة ، وكذا في الثالث ، ويحرم حتّى المحلّل ، اُنظر المختلف ٧ : ٣٦٢.

الثالث : قول الشيخ والقاضي وابن حمزة بالمنع من طلاق السنّة ، بمعنى أنّه إذا طلّقها وراجعها ولم يواقعها فليس له طلاقها حتّى تضع ما في بطنها ، اُنظر النهاية : ٥١٦ ـ ٥١٧ ، والمهذّب ٢ : ٢٨٥ ـ ٢٨٦ ، والوسيلة : ٣٢٢.

الرابع : قول ابن إدريس ، واختاره المتأخّرون ـ كما في غاية المرام ٣ : ٣١٨ ـ مثل المحقّق والعلّامة ، وهو أنّه يجوز طلاقها للسنّة كما يجوز للعدّة ، اُنظر السرائر ٢ : ٦٨٩ ، والشرائع ٣ : ٢٤ ، والنهاية ونكتها ٣ : ٤٤٢ ، والمختلف ٧ : ٣٦٤ ، والإيضاح ٣ : ٣١٧ ، وراجع للتفصيل الإيضاح ٣ : ٣١٦ ، والمهذّب البارع ٣ : ٤٦٨ ، والتنقيح الرائع ٣ : ٣٢١.

(٢) اُنظر الوسائل ١٥ : ٣٠٩ ، الباب ٢٧ من أبواب مقدّمات الطلاق ، و ٣٨٠ ، الباب ٢٠ من أبواب أقسام الطلاق ، و ٤١٧ ، الباب ٩ من أبواب العدد.

كان أصحّ الروايتين (١) صحّته ، وإنّما الأولى المُخرج من الخلاف أن يراجع ويطأ ثمّ يُطلّق في طهر آخر ، فإنّ الطلاق هنا يقع إجماعاً.

﴿ ولو طلّق مرّات في طهر واحد ﴾ بأن يُطلّق ويراجع ، ثمّ يطلّق ويراجع ، وهكذا ... ثلاثاً ﴿ فخلاف أقربه الوقوع مع تخلّل الرجعة ﴾ بين كلّ طلاقين؛ لعموم القرآن (٢) والأخبار الصحيحة (٣) بصحّة الطلاق لمن أراده في الجملة ، إلّاما أخرجه الدليل. وروى إسحاق بن عمّار عن أبي الحسن عليه‌السلام قال : «قلت له : رجل طلّق امرأته ثمّ راجعها بشهود ، ثمّ طلّقها بشهود [ثمّ راجعها بشهود ، ثمّ طلّقها بشهود] (٤) تبين منه؟ قال : نعم. قلت : كلّ ذلك في طهر واحد ، قال : تبين منه» (٥).

وهذه الرواية من الموثّق ، ولا معارض لها إلّارواية عبد الرحمن بن الحجّاج عن الصادق عليه‌السلام «في الرجل يطلّق امرأته ، له أن يراجعها؟ قال : لا يطلّق الطلقة الاُخرى حتّى يمسّها» (٦) وهي لا تدلّ على بطلانه؛ نظراً إلى أنّ

__________________

(١) اُنظر الوسائل ١٥ : ٣٧٨ ، الباب ١٩ من أبواب أقسام الطلاق ، الحديث ١ و ٢.

(٢) هو قوله تعالى : (اَلطَّلاٰقُ مَرَّتٰانِ فَإِمْسٰاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسٰانٍ) البقرة : ٢٩٥.

(٣) اُنظر الوسائل ١٥ : ٣٧٩ ، الباب ١٩ من أبواب أقسام الطلاق ، الحديث ٣ و ٥.

(٤) ما بين المعقوفتين لم يرد في المخطوطات ، إلّا أنّه صحّح في (ش) طبقاً لما في التهذيب ٨ : ٩٢ ، الباب ٣ في أحكام الطلاق ، الحديث ٢٣٦ ، والوسائل ونصّ الحديث فيهما : (رجل طلّق امرأته ثمّ راجعها بشهود ، ثمّ طلّقها ، ثمّ بدا له فراجعها بشهود ، ثمّ طلّقها فراجعها بشهود تبين منه؟ ...).

(٥) راجع الهامش رقم ٣ ، الحديث ٥.

(٦) الرواية الثانية [رواية عبد الرحمن بن الحجّاج ، الوسائل ١٥ : ٣٧٦ ـ ٣٧٧ ، الباب ١٧ من أبواب أقسام الطلاق ، الحديث ٢] حسنة السند ، والاُولى [رواية إسحاق بن عمّار] موثّقة لكنّها معتضدة بعموم القرآن والأخبار الصحيحة. (منه رحمه‌الله).

النهي في غير العبادة لا يفسد.

واعلم أنّ الرجعة بعد الطلقة تجعلها بمنزلة المعدومة بالنسبة إلى اعتبار حالها قبل الطلاق وإن بقي لها أثر في الجملة كعدّها من الثلاث ، فيبقى حكم الزوجيّة بعدها كما كان قبلها ، فإذا كانت مدخولاً بها قبل الطلاق ثمّ طلّقها وراجع ثمّ طلّق ، يكون طلاقها طلاق مدخول بها ، لا طلاق غير مدخول بها؛ نظراً إلى أنّ الرجعة بمنزلة التزويج الجديد فيكون طلاقها بعده واقعاً على غير مدخول بها؛ لما عرفت من أنّ الرجعة أسقطت حكم الطلاق ، ولولا ذلك (١) لم يمكن الطلاق ثلاثاً وإن فرّق الطلقات على الأطهار من غير دخول والروايات الصحيحة (٢) ناطقة بصحّتها حينئذٍ ، وكذا فتوى الأصحاب (٣) إلّامن شذّ (٤) وحينئذٍ فيكون الطلاق الثاني رجعيّاً لا بائناً ، وإن وقع بغير مدخول بها بالنسبة إلى ما بعد الرجعة ، فإنّها مدخول بها قبلها ، وهو كافٍ.

﴿ وتحتاج ﴾ المطلّقة مطلقاً ﴿ مع كمال ﴾ الطلقات ﴿ الثلاث إلى المحلّل ﴾ للنصّ (٥) والإجماع. ومخالفة من سبق ذكره (٦) في بعض موارده

__________________

(١) في (ع) زيادة : لكان.

(٢) مثل صحيحة عبد الحميد وصحيحة البزنطي ، اُنظر الوسائل ١٥ : ٣٧٨ ، الباب ١٩ من أبواب أقسام الطلاق ، الحديث ١ و ٢.

(٣) لم يرد (الأصحاب) في (ع).

(٤) المخالف ابن أبي عقيل [نقل عنه العلّامة في المختلف ٧ : ٣٨٠] لا نعرف مخالفاً غيره. (منه رحمه‌الله).

(٥) المتقدّم تخريجه تفصيلاً في الصفحة ٣٦٢ ، الهامش رقم ٢.

(٦) وهو عبد اللّٰه بن بكير ، وسبق في الصفحة ٣٦١.