درس الروضة البهیة (فقه ۵) (الطلاق - الغصب)

جلسه ۶۱: کتاب الاقرار ۷: الفاظ اقرار ۲

 

النصب ، واُبدلا منه على تقدير الرفع ، وبُيّنا معاً بالدرهم مع الجرّ ، ونُزّل على أحدهما مع الوقف ، أو اُضيف الجزء إلى جزء الدرهم في الجرّ على ما اخترناه ، وحُمل الوقف عليه أيضاً.

﴿ ولو فسّر في ﴾ حالة ﴿ الجرّ ﴾ من الأقسام الثلاثة ﴿ ببعض درهم جاز ﴾ لإمكانه وضعاً بجعل الشيء المراد من «كذا» (١) وما اُلحق به كنايةً عن الجزء.

وفيه : أنّ قبول تفسيره به يقتضي صحّته بحسب الوضع ، فكيف يحمل مع الإطلاق على ما هو أكثر منه مع إمكان الأقلّ؟ فالحمل عليه مطلقاً أقوى.

﴿ وقيل ﴾ والقائل به الشيخ وجماعة (٢) : ﴿ يتبع في ذلك ﴾ المذكور من قوله : «كذا» و«كذا كذا» و«كذا وكذا» (٣) بالحركات الثلاث والوقف وذلك اثنتا عشرة صورةً : ﴿ موازنه من الأعداد ﴾ جعلاً لكذا كنايةً عن العدد ، لا عن الشيء ، فيكون الدرهم في جميع أحواله تمييزاً لذلك العدد ، فيُنظر إلى ما يناسبه بحسب ما تقتضيه قواعد العربيّة من إعراب المميِّز للعدد ويُحمل عليه.

فيلزمه مع إفراد المبهم ورفع الدرهم : درهمٌ؛ لأنّ المميّز لا يكون مرفوعاً ، فيجعل بدلاً كما مرّ. ومع النصب : عشرون درهماً؛ لأنّه أقلّ عدد مفرد ينصب مُميّزه؛ إذ فوقه ثلاثون إلى تسعين ، فيحمل على الأقلّ. ومع الجرّ : مئة درهمٌ؛ لأنّه أقلّ عدد مفرد فُسّر بمفرد مجرور؛ إذ فوقه الألف. ومع الوقف : درهمٌ؛ لاحتماله

__________________

(١) في (ر) بدل «من كذا» : بكذا.

(٢) اُنظر المبسوط ٣ : ١٢ ـ ١٣ ، والخلاف ٣ : ٣٦٥ ـ ٣٦٧ ، المسألة ٨ ـ ١١ ، والغنية : ٢٧٣ ، والمختلف ٦ : ٤١ ، والإرشاد ١ : ٤١٠ ، والتذكرة (الحجريّة) ٢ : ١٥٣ ، والتنقيح الرائع ٣ : ٤٩٢ ، وقيّده في المختلف والتذكرة والتنقيح بما إذا كان المقرّ من أهل اللسان وعارفاً.

(٣) في (ر) زيادة : درهماً.

الرفع والجرّ ، فيحمل على الأقلّ (١).

ومع تكريره بغير عطف ورفع الدرهم : درهمٌ؛ لما ذكر (٢) في الإفراد مع كون الثاني تأكيداً للأوّل. ومع نصبه : أحد عشر؛ لأنّه أقلّ عدد مركَّب مع غيره يُنصب بعده مميّزه؛ إذ فوقه اثنا عشر إلى تسعة عشر ، فيحمل على المتيقّن. ومع جرّه : ثلاثمئة درهم؛ لأنّه أقلّ عدد اُضيف إلى آخر ومُيِّز بمفرد مجرور؛ إذ فوقه أربعمئة إلى تسعمئة ، ثمّ مئة مئة ، ثمّ مئة ألف ، ثمّ ألف ألف ، فيحمل على المتيقّن والتركيب هنا لا يأتي (٣) لأنّ مميّز المركّب لم يرد مجروراً ، وهذا القسم لم يصرّح به صاحب القول (٤) ولكنّه لازم له. ومع الوقف : يحتمل الرفع والجرّ ، فيحمل على الأقلّ منهما وهو الرفع.

ومع تكريره معطوفاً ورفع الدرهم : يلزمه درهم؛ لما ذكر في الإفراد بجعل الدرهم بدلاً من مجموع المعطوف والمعطوف عليه. ويحتمل أن يلزمه درهم وزيادة؛ لأنّه ذكر شيئين متغايرين بالعطف ، فيجعل الدرهم تفسيراً للقريب منهما وهو المعطوف ، فيبقى المعطوف عليه على إبهامه فيرجع إليه في تفسيره. وأصالة البراءة تدفعه.

ومع نصب الدرهم : يلزمه أحد وعشرون درهماً ، لأنّه أقلّ عددين عُطف أحدهما على الآخر وانتصب المميّز بعدهما؛ إذ فوقه اثنان وعشرون إلى تسعة وتسعين فيحمل على الأقلّ.

__________________

(١) في (ش) زيادة : منهما.

(٢) في (ر) : ذكرنا.

(٣) في (ر) : لا يتأتّى.

(٤) وهو الشيخ والجماعة المتقدّمون في الصفحة السابقة.

ومع جرّ الدرهم : يلزمه ألف ومئة؛ لأنّه أقلّ عددين عُطف أحدهما على الآخر ومُيِّز بمفرد مجرور؛ إذ فوقه من الأعداد المعطوف عليها المئة والألف ما لا نهاية له. ويحتمل جعل الدرهم مميّزاً للمعطوف فيكون مئة ويبقى المعطوف عليه مبهماً فيرجع إليه في تفسيره ، وجعله درهماً لمناسبة الأعداد المميّزة ، فيكون التقدير درهم ومئة درهم؛ لأصالة البراءة من الزائد. وهذا القسم أيضاً لم يصرّحوا بحكمه ، ولكنّه لازم للقاعدة.

ومع الوقف عليه : يحتمل الرفع والجرّ ، فيحمل على الأقلّ وهو الرفع.

وإنّما حملنا العبارة على جميع هذه الأقسام مع احتمال أن يريد بقوله : «وكذا كذا درهماً وكذا وكذا درهماً كذلك» حكمهما في حالة النصب؛ لأنّه الملفوظ ، ويكون حكمهما في غير حالة النصب مسكوتاً عنه؛ لأنّه (١) عقّبه بقوله : «ولو فسّر في الجرّ ببعض درهم جاز» وذلك يقتضي كون ما سبق شاملاً لحالة الجرّ؛ إذ يبعد كون قوله : «ولو فسّر في الجرّ» تتميماً لحكم «كذا» المفرد؛ لبُعده.

وعلى التقديرين (٢) يترتّب قولُه : «وقيل : يتبع في ذلك موازنه» فعلى ما ذكرناه تتشعّب الصور إلى اثني (٣) عشرة ، وهي : الحاصلة من ضرب أقسام الإعراب الأربعة في المسائل الثلاث ، وهي : «كذا» المفرد ، والمكرّر بغير عطف ، ومع العطف. وعلى الاحتمال (٤) يسقط من القسمين الأخيرين ما زاد على نصب المميّز ، فتنتصف الصور.

__________________

(١) أي المصنّف ، وهذا تعليل حمل العبارة على الأقسام كلّها دون أن يخصّها بحالة النصب. (هامش ر).

(٢) التعميم والتخصيص.

(٣) كذا ، والمناسب : اثنتي.

(٤) يعني احتمال التخصيص بحالة النصب.

وكيف كان : فهذا القول (١) ضعيف ، فإنّ هذه الألفاظ لم توضع لهذه المعاني لغةً ولا اصطلاحاً ، ومناسبتها على الوجه المذكور لا يوجب اشتغال الذمّة بمقتضاها ، مع أصالة البراءة واحتمالها لغيرها على الوجه الذي بُيّن. ولا فرق في ذلك بين كون المقرّ من أهل العربيّة وغيرهم؛ لاستعمالها على الوجه المناسب للعربيّة في غير ما ادّعوه استعمالاً شهيراً. خلافاً للعلّامة حيث فرّق ، فحكم بما ادّعاه الشيخ على المقرّ إذا كان من أهل اللسان (٢) وقد ظهر ضعفه.

﴿ و ﴾ إنّما ﴿ يمكن هذا ﴾ القول ﴿ مع الاطّلاع على القصد ﴾ أي على قصد المقرّ وأنّه أراد ما ادّعاه القائل ، ومع الاّطلاع لا إشكال.

﴿ ولو قال : لي عليك ألف ، فقال : نعم أو أجل أو بلى أو أنا مقرّ به ، لزمه ﴾ الألف.

أمّا جوابه ب‍ «نعم» فظاهر؛ لأنّ قول المجاب إن كان خبراً فهي بعده حرف تصديق ، وإن كان استفهاماً محذوف الهمزة فهي بعده للإثبات والإعلام؛ لأنّ الاستفهام عن الماضي إثباته ب‍ «نعم» ونفيه ب‍ «لا».

و«أجل» مثله.

وأمّا «بلى» فإنّها وإن كانت لإبطال النفي ، إلّاأنّ الاستعمال العرفي جوّز وقوعها في جواب الخبر المثبت كنعم ، والإقرارُ جارٍ عليه لا على دقائق اللغة. ولو قدّر كون القول استفهاماً فقد وقع استعمالها في جوابه لغة وإن قلّ ، ومنه قول النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله لأصحابه : «أترضون أن تكونوا من أرفع أهل الجنّة؟ قالوا : بلى» (٣)

__________________

(١) قول الشيخ وجماعة بأنّه يتبع في ذلك موازنه من الأعداد.

(٢) المختلف ٦ : ٤١.

(٣) صحيح البخاري ٨ : ١٦٣ ، وسنن ابن ماجة ٢ : الحديث ٤٢٨٣ ، ولكن فيهما : ربع أهل الجنّة ، ونقله في المسالك ١١ : ٦٣ كما في المصدرين.