درس الروضة البهیة (فقه ۵) (الطلاق - الغصب)

جلسه ۶۲: کتاب الاقرار ۸: الفاظ اقرار ۳

 

وكيف كان : فهذا القول (١) ضعيف ، فإنّ هذه الألفاظ لم توضع لهذه المعاني لغةً ولا اصطلاحاً ، ومناسبتها على الوجه المذكور لا يوجب اشتغال الذمّة بمقتضاها ، مع أصالة البراءة واحتمالها لغيرها على الوجه الذي بُيّن. ولا فرق في ذلك بين كون المقرّ من أهل العربيّة وغيرهم؛ لاستعمالها على الوجه المناسب للعربيّة في غير ما ادّعوه استعمالاً شهيراً. خلافاً للعلّامة حيث فرّق ، فحكم بما ادّعاه الشيخ على المقرّ إذا كان من أهل اللسان (٢) وقد ظهر ضعفه.

﴿ و ﴾ إنّما ﴿ يمكن هذا ﴾ القول ﴿ مع الاطّلاع على القصد ﴾ أي على قصد المقرّ وأنّه أراد ما ادّعاه القائل ، ومع الاّطلاع لا إشكال.

﴿ ولو قال : لي عليك ألف ، فقال : نعم أو أجل أو بلى أو أنا مقرّ به ، لزمه ﴾ الألف.

أمّا جوابه ب‍ «نعم» فظاهر؛ لأنّ قول المجاب إن كان خبراً فهي بعده حرف تصديق ، وإن كان استفهاماً محذوف الهمزة فهي بعده للإثبات والإعلام؛ لأنّ الاستفهام عن الماضي إثباته ب‍ «نعم» ونفيه ب‍ «لا».

و«أجل» مثله.

وأمّا «بلى» فإنّها وإن كانت لإبطال النفي ، إلّاأنّ الاستعمال العرفي جوّز وقوعها في جواب الخبر المثبت كنعم ، والإقرارُ جارٍ عليه لا على دقائق اللغة. ولو قدّر كون القول استفهاماً فقد وقع استعمالها في جوابه لغة وإن قلّ ، ومنه قول النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله لأصحابه : «أترضون أن تكونوا من أرفع أهل الجنّة؟ قالوا : بلى» (٣)

__________________

(١) قول الشيخ وجماعة بأنّه يتبع في ذلك موازنه من الأعداد.

(٢) المختلف ٦ : ٤١.

(٣) صحيح البخاري ٨ : ١٦٣ ، وسنن ابن ماجة ٢ : الحديث ٤٢٨٣ ، ولكن فيهما : ربع أهل الجنّة ، ونقله في المسالك ١١ : ٦٣ كما في المصدرين.

والعرف قاضٍ به.

وأمّا قوله : «أنا مقرّ به» فإنّه وإن احتمل كونه مقرّاً به لغيره ، وكونه وعداً بالإقرار ، من حيث إنّ «مقرّاً» اسم فاعل يحتمل الاستقبال ، إلّاأنّ المتبادر منه كون ضمير «به» عائداً إلى ما ذكره المقرّ له وكونه إقراراً بالفعل عرفاً ، والمرجع فيه إليه.

وقوّى المصنّف في الدروس أنّه ليس بإقرار حتّى يقول : «لك» (١) وفيه : مع ما ذُكر أنّه لا يدفع (٢) لولا دلالة العرف ، وهي واردة على الأمرين (٣).

ومثله «أنا مقرّ بدعواك» أو «بما ادّعيت» أو «لستُ منكراً له» لدلالة العرف ، مع احتمال أن لا يكون الأخير إقراراً؛ لأنّه أعمّ.

﴿ ولو قال : زِنه ، أو انتقده ، أو أنا مقرّ ﴾ ولم يقل : «به» ﴿ لم يكن شيئاً ﴾ أمّا الأوّلان : فلانتفاء دلالتهما على الإقرار؛ لإمكان خروجهما مخرج الاستهزاء ، فإنّه استعمال شائع في العرف. وأمّا الأخير : فلأنّه مع انتفاء احتماله الوعد يحتمل كون المقرّ به المدّعى وغيرَه ، فإنّه لو وصل به قوله : «بالشهادتين» أو «ببطلان دعواك» لم يختلّ اللفظ؛ لأنّ المقرّ به غير مذكور ، فجاز تقديره بما يطابق المدّعى وغيرَه معتضداً بأصالة البراءة.

ويحتمل عدّه إقراراً؛ لأنّ صدوره عقيب الدعوى قرينة صرفه إليها وقد استعمل لغةً كذلك ، كما في قوله تعالى : (أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلىٰ ذٰلِكُمْ إِصْرِي قٰالُوا أَقْرَرْنٰا) (٤) وقوله تعالى : (قٰالَ فَاشْهَدُوا) (٥) ولأنّه لولاه لكان هذراً.

__________________

(١) الدروس ٣ : ١٢٢.

(٢) يعني ضميمة «لك» لا تدفع احتمال الوعد بالإقرار ونحوه.

(٣) مع إضافة «لك» وعدمه.

(٤) و (٥) آل عمران : ٨١.

وفيه : منع القرينة؛ لوقوعه كثيراً على خلاف ذلك ، واحتمال الاستهزاء مندفع عن الآية. ودعوى الهذريّة إنّما يتمّ لو لم يكن الجواب بذلك مفيداً ولو بطريق الاستهزاء ، ولا شبهة في كونه من الاُمور المقصودة للعقلاء عرفاً المستعمل لغةً ، وقيام الاحتمال يمنع لزوم الإقرار بذلك.

﴿ ولو قال : أليس لي عليك كذا؟ فقال : بلى كان إقراراً ﴾ لأنّ «بلى» حرف يقتضي إبطال النفي ، سواء كان مجرّداً نحو (زَعَمَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلىٰ وَرَبِّي) (١) أم مقروناً بالاستفهام الحقيقي كالمثال ، أم التقريري ، نحو (أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قٰالُوا بَلىٰ (٢) أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قٰالُوا بَلىٰ) (٣) ولأنّ أصل «بلى» : «بل» زيدت عليها الألِف ، فقوله : «بلى» ردٌّ لقوله : «ليس عليك كذا» فإنّه الذي دخل عليه حرف الاستفهام ونفي له ، ونفي النفي إثبات فيكون إقراراً.

﴿ وكذا ﴾ لو قال : ﴿ نعم ، على الأقوى ﴾ لقيامها مقام «بلى» لغةً وعرفاً ، أمّا العرف فظاهر ، وأمّا اللغة فمنها قول النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله للأنصار : «ألستم ترون لهم ذلك؟ فقالوا : نعم» (٤) وقول بعضهم :

أليس الليل يجمع اُمّ عمرو

وإيّانا، فذاك بنا تداني

نعم، وأرى الهلال كما تراه

ويعلوها النهار كما علاني (٥)

ونقل في المغنى عن سيبويه وقوع «نعم» في جواب «ألست» وحكى عن

__________________

(١) المصدر السابق.

(٢) نسبه في مغني اللبيب ١ : ١٥٤ و ٤٥٢ ، ولم نعثر عليه في التفسير المنسوب إليه ولا في سائر التفاسير.

(٣) الأعراف : ١٧٢.

(٤) اُنظر مغني اللبيب ٢ : ٤٥٣ ، والدروس ٣ : ١٢٢ ، وجامع المقاصد ٩ : ١٩٥.

(٥) اُنظر مغني اللبيب ١ : ١٥٤ و ٤٥٣ ـ ٤٥٤.

جماعة من المتقدّمين والمتأخّرين جوازه (١).

والقول الآخر : أنّه لا يكون إقراراً؛ لأنّ «نعم» حرف تصديق كما مرّ ، فإذا ورد على النفي الداخل عليه الاستفهام كان تصديقاً له فينافي الإقرار ، ولهذا قيل ـ ونسب إلى ابن عبّاس (٢) ـ : إنّ المخاطبين بقوله تعالى : (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قٰالُوا بَلىٰ) (٣) لو قالوا : نعم كفروا ، فيكون التقدير حينئذٍ : ليس لك عليّ ، فيكون إنكاراً لا إقراراً.

وجوابه : أنّا لا ننازع في إطلاقها كذلك ، لكن قد استعملت في المعنى الآخر لغةً كما اعترف به جماعة (٤) والمثبت مقدّم واشتهرت فيه عرفاً. ورُدّ المحكيّ عن ابن عبّاس (٥) وجُوّز الجواب بنعم. وحمله في المغني على أنّه لم يكن إقراراً كافياً؛ لاحتماله (٦) وحيث ظهر ذلك عرفاً ووافقته اللغة رجح هذا المعنى وقوي كونه إقراراً.

_________________

(١) المصدر السابق.

(٢) نسبه في مغني اللبيب ١ : ١٥٤ و ٤٥٢، ولم نعثر عليه في التفسير المنسوب إليه ولا في سائر التفاسير.

(٣) الأعراف : ١٧٢.

(٤) أنطر مغني اللبيب ٤٥٣:٢، والدروس ١٢٢:٣، وجامع المقاصر ١٩٥:٩.

(٥) انظر مني البيب ١٥٤:١ و ٤٥٣ ـ ٤٥٤.

(٦) مغني اللبيب ٤٥٤:١.