درس الروضة البهیة (فقه ۵) (الطلاق - الغصب)

جلسه ۶۴: کتاب الاقرار ۱۰: تعقیب اقرار بما ینافیه ۲

 

(وَلاٰ يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ اِمْرَأَتَكَ) (١).

فالأولى في توجيه عدم لزوم شيء في المسألة أن يقال على تقدير النصب : يُحتمل كونُه على الاستثناء من المنفيّ ، فيكون إقراراً بتسعين. وكونُه من المثبت ، والنفي موجَّه إلى مجموع الجملة ، فلا يكون إقراراً بشيء فلا يلزمه شيء؛ لقيام الاحتمال واشتراك مدلول اللفظ لغة. مع أنّ حمله على المعنى الثاني مع جواز الأوّل خلاف الظاهر ، والمتبادر من صيغ الاستثناء هو الأوّل وخلافه يحتاج إلى تكلّف لا يتبادر من الإطلاق ، وهو قرينة ترجيح أحد المعنيين المشتركين ، إلّا أنّ فتواهم المنضمّ إلى أصالة البراءة وقيام الاحتمال في الجملة يعيّن المصير إلى ما قالوه.

﴿ ولو تعدّد الاستثناء وكان بعاطف ﴾ كقوله : «له عليَّ عشرة إلّاأربعة وإلّا ثلاثة» ﴿ أو كان ﴾ الاستثناء ﴿ الثاني أزيد من الأوّل ﴾ كقوله : «له عليَّ عشرة إلّا أربعة إلّاخمسة» ﴿ أو مساوياً له ﴾ كقوله في المثال : «إلّاأربعة إلّاأربعة» ﴿ رجعا جميعاً إلى المستثنى منه ﴾.

أمّا مع العطف : فلوجوب اشتراك المعطوف والمعطوف عليه في الحكم ، فهما كالجملة الواحدة ، ولا فرق بين تكرّر حرف الاستثناء وعدمه ، ولا بين زيادة الثاني على الأوّل ومساواته له ونقصانه عنه.

وأمّا مع زيادة الثاني على الأوّل أو (٢) مساواته : فلاستلزام عوده إلى الأقرب الاستغراق وهو باطل ، فيصان كلامه عن الهذر بعودهما معاً إلى المستثنى منه.

__________________

(١) هود : ٨١.

(٢) في مصحّحة (ع) : و.

واعلم أنّه لا يلزم من عودهما معاً إليه صحّتهما ، بل إن لم يستغرق الجميع المستثنى منه صحّ كالمثالين ، وإلّا فلا ، لكن إن لزم الاستغراق من الثاني خاصّة كما لو قال : «له عليَّ (١) عشرة إلّاخمسة إلّاخمسة» لغا الثاني خاصّة؛ لأنّه هو الذي أوجب الفساد. وكذا مع العطف ، سواء كان الثاني مساوياً للأوّل كما ذُكر ، أم أزيد ك‍ «له عشرة إلّاثلاثة وإلّا سبعة» أم أنقص كما لو قدّم السبعة على الثلاثة.

﴿ وإلّا ﴾ يكن بعاطف ولا مساوياً للأوّل ولا أزيد منه ، بل كان أنقص بغير عطف ، كقوله : «له عليَّ عشرة إلّاتسعة إلّاثمانية» ﴿ رجع التالي إلى متلوّه ﴾ لقربه؛ إذ لو عاد إلى البعيد لزم ترجيحه على الأقرب بغير مرجّح ، وعوده إليهما يوجب التناقض؛ إذ المستثنى والمستثنى منه متخالفان نفياً وإثباتاً كما مرّ (٢) فيلزمه في المثال تسعة؛ لأنّ قوله الأوّل إقرار بعشرة ، حيث إنّه إثبات والاستثناء الأوّل نفي للتسعة منها؛ لأنّه وارد على إثبات ، فيبقى واحد ، واستثناؤه الثاني إثبات للثمانية؛ لأنّه استثناء من المنفيّ فيكون مثبتاً ، فيضمّ ما أثبته وهو الثمانية إلى ما بقي وهو الواحد ، وذلك تسعة.

ولو أنّه ضمّ إلى ذلك قوله : «إلّاسبعة» «إلّاستّة» حتّى وصل إلى الواحد لزمه خمسة؛ لأنّه بالاستثناء الثالث نفى سبعة ممّا اجتمع وهو تسعة فبقي اثنان ، وبالرابع أثبت ستّة فبقي ثمانية ، وبالخامس يصير ثلاثة ، وبالسادس يصير سبعة ، وبالسابع أربعة ، وبالثامن ستّة ، وبالتاسع وهو الواحد ينتفي منها واحد فيبقى خمسة.

والضابط : أن تجمع الأعداد المثبتة وهي الأزواج على حدة ، والمنفيّة وهي

__________________

(١) لم يرد (عليّ) في (ع) و (ف).

(٢) مرّ في الصفحة ٥٤١.

الأفراد كذلك ، وتسقط جملة المنفيّ من جملة المثبت ، فالمثبت ثلاثون ، والمنفيّ خمسة وعشرون ، والباقي بعد الإسقاط خمسة.

ولو أنّه لمّا وصل إلى الواحد قال : إلّااثنين ، إلّاثلاثة إلى أن وصل إلى التسعة ، لزمه واحد. ولو بدأ باستثناء الواحد وختم به لزمه خمسة. ولو عكس القسمَ الأوّل فبدأ باستثناء الواحد وختم بالتسعة ، لزمه واحد. وهو واضح بعد الإحاطة بما تقدّم من القواعد ورتّب عليه ما شئت من التفريع.

﴿ ولو استثنى من غير الجنس صحّ ﴾ وإن كان مجازاً؛ لتصريحه بإرادته ، ولإمكان تأويله بالمتّصل بأن يضمر قيمة المستثنى ونحوها ممّا يطابق المستثنى منه ﴿ وأسقط ﴾ المستثنى باعتبار قيمته ﴿ من المستثنى منه فإذا بقي ﴾ منه ﴿ بقيّة ﴾ وإن قلّت ﴿ لزمت ، وإلّا بطل ﴾ الاستثناء؛ للاستغراق ﴿ كما لو قال : له عليَّ مئة إلّاثوباً ﴾ هذا مثال الاستثناء من غير الجنس مطلقاً ، فيصحّ ويطالب بتفسير الثوب ، فإن بقي من قيمته بقيّة من المئة بعد إخراج القيمة قُبل ، وإن استغرقتها (١) بطل الاستثناء على الأقوى واُلزم بالمئة. وقيل : يبطل التفسير خاصّة فيطالب بغيره (٢).

﴿ و ﴾ الاستثناء ﴿ المستغرق باطل ﴾ اتّفاقاً ﴿ كما لو قال : له عليَّ مئة إلّا مئة ﴾ ولا يحمل على الغلط ، ولو ادّعاه لم يُسمع منه. هذا إذا لم يتعقّبه استثناء آخر يزيل استغراقه ، كما لو عقَّب ذلك بقوله : «إلّاتسعين» فيصحّ الاستثناءان ويلزمه تسعون؛ لأنّ الكلام جملة واحدة لا يتمّ إلّابآخره وآخره يصيّر الأوّل غير مستوعب ، فإنّ المئة المستثناة منفيّة؛ لأنّها استثناء من مثبت ، والتسعين

__________________

(١) في سوى (ش) : استغرقها.

(٢) قاله العلّامة في الإرشاد ١ : ٤١٥.