درس الروضة البهیة (فقه ۵) (الطلاق - الغصب)

جلسه ۷۷: کتاب الغصب ۵: احکام الغصب ۴

 

ومنافعه كذلك.

﴿ وخمر الكافر المستتر ﴾ بها ﴿ محترم يُضمن بالغصب ﴾ مسلماً كان الغاصب أم كافراً؛ لأنّها مال بالإضافة إليه وقد اُقرّ عليه ولم تجز مزاحمته فيه.

وكان عليه تأنيث ضمائر «الخمر» ؛ لأنّها مؤنّث سماعيّ.

ولو غصبها من مسلم أو كافر متظاهر فلا ضمان وإن كان قد اتّخذها للتخليل؛ إذ لا قيمة لها في شرع الإسلام ، لكن هنا يأثم الغاصب.

وحيث يضمن الخمر يعتبر ﴿ بقيمته عند مستحلّيه ﴾ لا بمثله وإن كان بحسب القاعدة مثليّاً؛ لتعذّر الحكم باستحقاق الخمر في شرعنا وإن كنّا لا نعترضهم إذا لم يتظاهروا بها. ولا فرق في ذلك بين كون المتلف مسلماً وكافراً على الأقوى.

وقيل : يضمن الكافرُ المثلَ لإمكانه في حقّه ، من حيث إنّه مثليٌّ مملوك له يمكنه دفعه سرّاً (١).

ورُدّ بأنّ استحقاقه كذلك يؤدّي إلى إظهاره؛ لأنّ حكم المستحقّ أن يَحبس غريمَه لو امتنع من أدائه وإلزامه بحقّه ، وذلك ينافي الاستتار.

﴿ وكذا ﴾ الحكم في ﴿ الخنزير ﴾ إلّاأنّ ضمان قيمة الخنزير واضح؛ لأنّه قيمي حيث يُملك.

﴿ ولو اجتمع المباشر ﴾ وهو موجد علّة التلف ـ كالأكل والإحراق والقتل والإتلاف ـ ﴿ والسبب ﴾ وهو فاعل ملزوم العلّة كحافر البئر ﴿ ضمن المباشر ﴾ لأنّه أقوى ﴿ إلّامع الإكراه أو الغرور ﴾ للمباشر ﴿ فيستقرّ الضمان في الغرور على الغارّ ﴾ وفي الإكراه على المكرِه لضعف المباشر بهما ، فكان السبب أقوى ،

__________________

(١) وهو أحد قولي القاضي في المهذّب ١ : ٤٤٤.

كمن قدّم طعاماً إلى المغرور فأكله ، فقرار الضمان على الغارّ فيرجع المغرور عليه لو ضمن.

هذا في المال. أمّا النفس فيتعلّق بالمباشر مطلقاً ، لكن هنا يحبس الآمر حتّى يموت.

﴿ ولو أرسل ماءً في ملكه ، أو أجّج ناراً فسرى إلى الغير ﴾ فأفسد ﴿ فلا ضمان ﴾ على الفاعل ﴿ إذا لم يزد ﴾ في الماء والنار ﴿ عن قَدر الحاجة ولم تكن الريح ﴾ في صورة الإحراق ﴿ عاصفة ﴾ بحيث علم أو ظنّ التعدّي الموجب للضرر؛ لأنّ الناس مسلّطون على أموالهم ، ولهم الانتفاع بها كيف شاؤوا.

نعم ، لو زاد عن قدر حاجته فالزائد مشروط بعدم ضرر بالغير ولو بالظنّ؛ لأنّه مناط أمثال ذلك ، جمعاً بين الحقّين ودفعاً للإضرار المنفي (١) ﴿ وإلّا ضمن ﴾.

وظاهر العبارة : أنّ الزائد عن قدر الحاجة يضمن به وإن لم يقترن بظنّ التعدّي.

وكذا مع عصف الريح وإن اقتصر على قدر (٢) حاجته؛ لكونه مظنّة للتعدّي ، فعدم الضمان على هذا مشروط بأمرين : عدم الزيادة عن الحاجة ، وعدم ظهور سبب التعدّي كالريح ، فمتى انتفى أحدهما ضمن.

ومثله في الدروس (٣) إلّا أنّه اعتبر علم التعدّي ولم يكتف بالظنّ ولم يعتبر الهواء ، فمتى علمه وإن لم يكن هواء ضمن وإن لم يزد عن حاجته ، فبينهما مغايرة. وفي بعض فتاويه اعتبر في الضمان أحد الاُمور الثلاثة : مجاوزة الحاجة ،

__________________

(١) اُنظر الوسائل ١٧ : ٣٤٠ ، الباب ١٢ من أبواب إحياء الموات.

(٢) أثبتنا كلمة «قدر» من (ع).

(٣) الدروس ٣ : ١٠٧.

أو عصف الهواء ، أو غلبة الظنّ بالتعدّي (١).

واعتبر جماعة ـ منهم الفاضلان (٢) ـ في الضمان اجتماع الأمرين معاً ، وهما : مجاوزة الحاجة ، وظنّ التعدّي أو العلم به ، فمتى انتفى أحدهما فلا ضمان.

وهذا قوي وإن كان الأوّل أحوط.

﴿ ويجب ردّ المغصوب ﴾ على مالكه وجوباً فوريّاً إجماعاً ، ولقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله : «على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي» (٣) ﴿ ما دامت العين باقية ﴾ يمكنه ردّها ، سواء كانت على هيئتها يوم غصبها أم زائدة أم ناقصة ﴿ ولو أدّى ردّه إلى ﴾ عسر و ﴿ ذهاب مال الغاصب ﴾ كالخشبة في بنائه واللوح في سفينته؛ لأنّ البناء على المغصوب لا حرمة له ، وكذا مال الغاصب في السفينة حيث يُخشى تلفُه أو غرقُ السفينة على الأقوى.

نعم ، لو خيف غرقُه (٤) أو غرقُ حيوان محترم أو مالٌ لغيره لم يُنزع إلى أن تصل الساحل.

﴿ فإن تعذّر ﴾ ردّ العين لتلف ونحوه ﴿ ضمنه ﴾ الغاصب ﴿ بالمثل إن كان ﴾ المغصوب ﴿ مثليّاً ﴾ وهو المتساوي الأجزاء والمنفعة المتقارب الصفات ، كالحنطة والشعير ، وغيرهما من الحبوب والأدهان ﴿ وإلّا ﴾ يكن مثليّاً ﴿ فالقيمة العُليا من حين الغصب إلى حين التلف ﴾ لأنّ كلّ حالة زائدة من حالاته في ذلك الوقت مضمونة كما يرشد إليه : أنّه لو تلف حينئذٍ ضمنها ، فكذا إذا

__________________

(١) لم نعثر عليه.

(٢) الشرائع ٣ : ٢٣٧ ، والقواعد ٢ : ٢٢٣ ، وتبعهما في جامع المقاصد ٦ : ٢١٨.

(٣) تقدّم تخريجه في الصفحة ٥٦٥.

(٤) أي الغاصب.