درس الروضة البهیة (فقه ۶) (اللقطة - الدیات)

جلسه ۲۴: کتاب احیاء الموات ۴: حکم الموات ۴

 

وهذان الشرطان مبنيّان على ما سبق من عدم بطلان الملك بالموت مطلقاً، وقد تقدّم ما فيه من التفصيل المختار.

﴿ وانتفاء كونه حريماً لعامر ﴾ لأنّ مالك العامر استحقّ حريمه؛ لأنّه من مرافقه وممّا يتوقّف كمال انتفاعه عليه، وسيأتي تفصيل الحريم.

﴿ و ﴾ انتفاء ﴿ كونه مشعراً ﴾ أي محلّاً ﴿ للعبادة ﴾ كعرفة والمشعر ومنى ولو كان يسيراً لا يمنع المتعبّدين، سدّاً لباب مزاحمة الناسكين، ولتعلّق حقوق الناس كافّة بها، فلا يسوغ تملّكها مطلقاً؛ لأدائه إلى تفويت هذا الغرض الشرعي.

وجوّز المحقّق اليسير منه (١) لعدم الإضرار، مع أنّه غير ملك لأحد. وهو نادر، وعليه لو عمد بعض الحاجّ فوقف به لم يجز؛ للنهي عن التصرّف في ملك الغير؛ لأنّا بنينا عليه، وهو مفسد للعبادة التي هي عبارة عن الكون ومن ضروراته (٢) المكان.

وللمصنّف تفريعاً عليه وجه بالجواز جمعاً بين الحقّين وآخر بالتفصيل بضيق المكان فيجوز، وسعته فلا (٣) وإثبات الملك مطلقاً يأباهما، وإنّما يتوجّهان لو جعله مشروطاً بأحد الأمرين.

﴿ أو مُقْطَعاً ﴾ من النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله، أو الإمام عليه‌السلام لأحد المسلمين؛ لأنّ المُقطَع له يصير أولى من غيره كالتحجير، فلا يصحّ لغيره التصرّف بدون إذنه وإن لم يفد ملكاً، وقد رُوي أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله أقطع بلال بن الحارث العقيق (٤) وهو وادٍ بظاهر

__________________

(١) الشرائع ٣: ٢٧٤.

(٢) في ( ر ) و ( ش ): ضروريّاته.

(٣) الدروس ٣: ٥٧.

(٤) السنن الكبرى ٤: ١٥٢.

المدينة واستمرّ تحت يده إلى ولاية عمر. وأقطع الزبير بن العوّام حُضرَ فرسه ـ بالحاء المهملة المضمومة والضاد المعجمة ـ وهو عدوه مقدارَ ما جرى، فأجرى فرسه حتّى قام أي عجز عن التقدّم فرمى بسوطه طلباً للزيادة على الحُضر فأعطاه صلى‌الله‌عليه‌وآله من حيث وقع السوط (١) وأقطع صلى‌الله‌عليه‌وآله غيرهما مواضع اُخر (٢).

﴿ أو محجّراً ﴾ أي مشروعاً في إحيائه شروعاً لم يبلغ حدّ الإحياء، فإنّه بالشروع يفيد أولويّة لا يصحّ لغيره التخطّي إليه وإن لم يفد ملكاً، فلا يصحّ بيعه، لكن يورث ويصحّ الصلح عليه، إلّا أن يُهمِل الإتمام، فللحاكم حينئذٍ إلزامه به أو رفع يده عنه، فإن امتنع أذِنَ لغيره في الإحياء، وإن اعتذر بشاغل أمهله مدّة يزول عذره فيها، ولا يتخطّى غيره إليها ما دام مُمهَلاً.

وفي الدروس جعل الشروط تسعة، وجعل منها: إذن الإمام مع حضوره. ووجود ما يُخرجها عن المَوات ( بأن يتحقّق الإحياء؛ إذ لا ملك قبل كمال العمل المعتبر فيه، وإن أفاد الشروع تحجيراً لا يفيد سوى الأولويّة، كما مرّ ) (٣) وقصد التملّك فلو فعل أسباب الملك بقصد غيره أو لا مع قصد لم يملك كحيازة سائر المباحات من الاصطياد والاحتطاب والاحتشاش (٤).

والشرط الأوّل قد ذكره هنا في أوّل الكتاب. والثاني يلزم من جعلها

__________________

(١) المستدرك ١٧: ١٢٢، الباب ١٢ من أبواب إحياء الموات، الحديث ٤، والسنن الكبرى ٦: ١٤٤.

(٢) مثل ما أقطع صلى‌الله‌عليه‌وآله لوائل بحضرموت ولغيره غيره، اُنظر السنن ٦: ١٤٣ ـ ١٤٥، باب إقطاع الموات، وسنن أبي داود ٣: ١٧٣ ـ ١٧٨، باب إقطاع الأرضين.

(٣) ما بين القوسين توضيح من المؤلّف، وليس من كلام الدروس.

(٤) الدروس ٣: ٥٥ ـ ٦١.

شروط الإحياء، مضافاً إلى ما سيأتي من قوله: « والمرجع في الإحياء إلى العرف... ». والثالث يستفاد من قوله في أوّل الكتاب: « يتملّكه من أحياه » إذ التملّك يستلزم القصد إليه، فإنّ الموجود في بعض النسخ « يتملّكه » بالتاء بعد الياء (١) ويوجد في بعضها « يملكه » (٢) وهو لا يفيد.

ويمكن استفادته من قوله بعد حكمه برجوعه إلى العرف: « لمن أراد الزرع » و « لمن أراد البيت » (٣) فإنّ الإرادة لما ذكر ونحوه تكفي في قصد التملّك وإن لم يقصده بخصوصه.

وحيث بيّن أنّ من الشرائط أن لا يكون حريماً لعامر نبّه هنا على بيان حريم بعض الأملاك بقوله:

﴿ وحريم العين ألف ذراع ﴾ حولَها من كلّ جانب ﴿ في ﴾ الأرض ﴿ الرخوة وخمسمئة في الصَلبة ﴾ بمعنى أنّه ليس للغير استنباط عين اُخرى في هذا القدر، لا المنع من مطلق الإحياء. والتحديد بذلك هو المشهور روايةً (٤) وفتوىً (٥) وحدّه ابن الجنيد بما ينتفي معه الضرر (٦) ومال إليه العلّامة في

__________________

(١) كما في ( ق ).

(٢) كما في ( س ).

(٣) نصّه: إن أراد البيت.

(٤) الوسائل ١٧: ٣٣٨، الباب ١١ من أبواب إحياء الموات، الحديث ٣.

(٥) كما في المختلف ٦: ٢٠٧، وأفتى به الشيخ في النهاية: ٤١٨، والمحقّق في الشرائع ٣: ٢٧٣، والمختصر النافع: ٢٥٩، والعلّامة في القواعد ٢: ٢٦٨، والتحرير ٤: ٤٨٧، ذيل الرقم ٦٠٩٩، والشهيد في الدروس ٣: ٥٩، وغيرهم.

(٦) اُنظر كلامه في المختلف ٦: ٢٠٧ ـ ٢٠٨.