درس الروضة البهیة (فقه ۶) (اللقطة - الدیات)

جلسه ۱۲۸: کتاب الحدود ۲: حدّ زنا ۲

 

فهنا قيود:

أحدها: الإيلاج، فلا يتحقّق الزنا بدونه، كالتفخيذ وغيره، وإن كان محرّماً يوجب التعزير.

وثانيها: كونه من البالغ، فلو أولج الصبي اُدِّب خاصّةً.

وثالثها: كونه عاقلاً، فلا يُحدّ المجنون على الأقوى؛ لارتفاع القلم عنه.

ويستفاد من إطلاقه عدم الفرق بين الحرّ والعبد، وهو كذلك وإن افترقا في كمّيّة الحدّ وكيفيّته.

ورابعها: كون الإيلاج في فرجها، فلا عبرة بإيلاجه في غيره من المنافذ وإن حصل به الشهوة والإنزال. والمراد بالفرج العورة، كما نصّ عليه الجوهري (١) فيشمل القُبُل والدُبُر، وإن كان إطلاقه على القُبُل أغلب.

وخامسها: كونها امرأةً وهي البالغة تسع سنين؛ لأنّها تأنيث « المرء » وهو الرجل. ولا فرق فيها بين العاقلة والمجنونة، الحرّة والأمة، الحيّة والميّتة، وإن كان (٢) الميّتة أغلظ كما سيأتي (٣) وخرج بها إيلاجه في دُبُر الذكر، فإنّه لا يُعدّ زناً وإن كان أفحش وأغلظ عقوبةً.

وسادسها: كونها محرّمة عليه، فلو كانت حليلة بزوجيّة أو ملك لم يتحقّق الزنا. وشملت « المحرّمة » الأجنبيّةَ المحصنةَ، والخاليةَ من بعل، ومحارمَه، وزوجتَه الحائض، والمظاهَرَة، والمُولى منها، والمُحرِمةَ وغيرَها، وأمته المزوّجة، والمعتدّة، والحائض ونحوَها. وسيخرج بعض هذه المحرَّمات.

__________________

(١) الصحاح ١: ٣٣٣، ( فرج ).

(٢) في ( ف ): كانت.

(٣) يأتي في الصفحة ٣٨١.

وسابعها: كونها غير معقود عليها، ولا مملوكة، ولا مأتيّة بشبهة. وبه يخرج وطء الزوجة المحرّمة لعارض ممّا ذكر، وكذا الأمة، فلا يترتّب عليه (١) الحدّ وإن حرم، ولهذا احتيج إلى ذكره بعد « المحرّمة » إذ لولاه لزم كونه زناً يوجب الحدّ وإن كان بالثاني (٢) يستغنى عن الأوّل (٣) إلّا أنّ بذلك لا يستدرك القيد، لتحقّق الفائدة مع سبقه.

والمراد بالعقد: ما يشمل الدائم والمنقطع. وبالملك: ما يشمل العين والمنفعة كالتحليل. وبالشبهة: ما أوجب ظنّ الإباحة، لا ما لولا المحرّميّة لحُلّلت، كما زعمه بعض العامّة (٤).

وثامنها: كون الإيلاج بقدر الحشفة فما زاد، فلو أولج دون ذلك لم يتحقّق الزنا كما لا يتحقّق الوطء؛ لتلازمهما هنا (٥) فإن كانت الحشفة صحيحة اعتبر مجموعها، وإن كانت مقطوعة أو بعضها اعتبر إيلاج قدرها ولو ملفّقاً منها ومن الباقي. وهذا الفرد أظهر في القدريّة منها نفسها.

وتاسعها: كونه عالماً بتحريم الفعل، فلو جهل التحريم ابتداءً لقرب عهده بالدين، أو لشبهة ـ كما لو أحلّته نفسَها فتوهّم الحلّ مع إمكانه في حقّه ـ لم يكن زانياً، ويمكن الغنى عن هذا القيد بما سبق؛ لأنّ مرجعه إلى طروء شبهة، وقد تقدّم اعتبار نفيها.

__________________

(١) في ( ع ): عليها.

(٢) المراد الثاني بالنسبة إلى المتن، وهو سابع الشرح.

(٣) أي سادس الشرح.

(٤) وهو أبو حنيفة والثوري، انظر المغني والشرح الكبير ١٠: ١٥٢ و ١٨٦، والفتاوى الهنديّة ٢: ١٤٧ ـ ١٤٨.

(٥) في باب الحدود.

والفرق بأنّ الشبهة السابقة تجامع العلم بتحريم الزنا ـ كما لو وجد امرأة على فراشه فاعتقدها زوجته مع علمه بتحريم وطء الأجنبيّة ـ وهنا لا يعلم أصل تحريم الزنا غير كافٍ في الجمع بينهما مع إمكان إطلاق « الشبهة » على ما يعمّ الجاهل بالتحريم.

وعاشرها: كونه مختاراً، فلو اُكره على الزنا لم يحدّ على أصحّ القولين في الفاعل (١) وإجماعاً في القابل. ويتحقّق الإكراه بتوعّد القادر المظنون فِعل ما توعّد به لو لم يفعل بما يتضرّر به في نفسه أو من يجري مجراه، كما سبق تحقيقه في باب الطلاق (٢).

فهذه جملة قيود التعريف. ومع ذلك فيرد عليه اُمور:

الأوّل: أنّه لم يقيّد المُولج بكونه ذكراً، فيدخل فيه إيلاج الخنثى قدر حشفته...، مع أنّ الزنا لا يتحقّق فيه بذلك؛ لاحتمال زيادته، كما لا يتحقّق به الغسل، فلا بدّ من التقييد بالذكر ليخرج الخنثى.

الثاني: اعتبار بلوغه وعقله إنّما يتمّ في تحقّق زنا الفاعل، أمّا في زنا المرأة فلا، خصوصاً العقل، ولهذا يجب عليها الحدّ بوطئهما لها وإن كان في وطء الصبيّ يجب عليها الجلد خاصّة، لكنّه حدّ في الجملة، بل هو الحدّ المنصوص في القرآن الكريم (٣).

الثالث: اعتبار كون الموطوءة امرأة، وهي كما عرفت مؤنّث الرجل،

__________________

(١) ذهب إليه العلّامة في التحرير ٥: ٣٠٤، والصيمري في غاية المرام ٤: ٣١٢. والقول الثاني: لابن زهرة في الغنية: ٤٢٤، والكيدري في إصباح الشيعة: ٥١٤.

(٢) راجع الجزء الثالث: ٣٥١.

(٣) النور: ٢، ( الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ ).