درس الروضة البهیة (فقه ۶) (اللقطة - الدیات)

جلسه ۱۲۹: کتاب الحدود ۳: حدّ زنا ۳

 

والفرق بأنّ الشبهة السابقة تجامع العلم بتحريم الزنا ـ كما لو وجد امرأة على فراشه فاعتقدها زوجته مع علمه بتحريم وطء الأجنبيّة ـ وهنا لا يعلم أصل تحريم الزنا غير كافٍ في الجمع بينهما مع إمكان إطلاق « الشبهة » على ما يعمّ الجاهل بالتحريم.

وعاشرها: كونه مختاراً، فلو اُكره على الزنا لم يحدّ على أصحّ القولين في الفاعل (١) وإجماعاً في القابل. ويتحقّق الإكراه بتوعّد القادر المظنون فِعل ما توعّد به لو لم يفعل بما يتضرّر به في نفسه أو من يجري مجراه، كما سبق تحقيقه في باب الطلاق (٢).

فهذه جملة قيود التعريف. ومع ذلك فيرد عليه اُمور:

الأوّل: أنّه لم يقيّد المُولج بكونه ذكراً، فيدخل فيه إيلاج الخنثى قدر حشفته...، مع أنّ الزنا لا يتحقّق فيه بذلك؛ لاحتمال زيادته، كما لا يتحقّق به الغسل، فلا بدّ من التقييد بالذكر ليخرج الخنثى.

الثاني: اعتبار بلوغه وعقله إنّما يتمّ في تحقّق زنا الفاعل، أمّا في زنا المرأة فلا، خصوصاً العقل، ولهذا يجب عليها الحدّ بوطئهما لها وإن كان في وطء الصبيّ يجب عليها الجلد خاصّة، لكنّه حدّ في الجملة، بل هو الحدّ المنصوص في القرآن الكريم (٣).

الثالث: اعتبار كون الموطوءة امرأة، وهي كما عرفت مؤنّث الرجل،

__________________

(١) ذهب إليه العلّامة في التحرير ٥: ٣٠٤، والصيمري في غاية المرام ٤: ٣١٢. والقول الثاني: لابن زهرة في الغنية: ٤٢٤، والكيدري في إصباح الشيعة: ٥١٤.

(٢) راجع الجزء الثالث: ٣٥١.

(٣) النور: ٢، ( الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ ).

وهذا إنّما يعتبر في تحقّق زناها. أمّا زنا الفاعل فيتحقّق بوطء الصغيرة كالكبيرة وإن لم يجب به الرجم لو كان محصناً، فإنّ ذلك لا ينافي كونه زناً يوجب الحدّ كالسابق.

الرابع: إيلاج قدر الحشفة أعمّ من كونه من الذكر وغيره، لتحقّق المقدار فيهما، والمقصود هو الأوّل، فلا بدّ من ذكر ما يدلّ عليه، بأن يقول: « قدر الحشفة من الذكر » ونحوه. إلّا أن يُدّعى: أنّ المتبادر هو ذلك. وهو محلّ نظر.

الخامس: الجمع بين العلم وانتفاء الشبهة غير جيّد في التعريف كما سبق، إلّا أن يخصّص « العالم » بفرد خاصّ، كالقاصد ونحوه.

السادس: يخرج زنا المرأة العالمة بغير العالم كما لو جلست على فراشه متعمّدة قاصدة للزنا مع جهله بالحال، فإنّه يتحقّق من طرفها وإن انتفى عنه. ومثله ما لو أكرهته.

ولو قيل: إنّ التعريف لزنا الفاعل خاصّة سلم من كثير ممّا ذكر، لكن يبقى فيه الإخلال بما يتحقّق به زناها.

وحيث اعتبر في الزنا انتفاء الشبهة ﴿ فلو تزوّج الاُمّ * ﴾ أي اُمَّ المتزوّج ﴿ أو المحصنة ﴾ المتزوّجة بغيره ﴿ ظانّاً الحلّ ﴾ لقرب عهده من المجوسيّة ونحوها من الكفر، أو سكناه في بادية بعيدة عن أحكام الدين ﴿ فلا حدّ ﴾ عليه للشبهة، والحدود تدرأ بالشبهات (١).

﴿ ولا يكفي ﴾ في تحقّق الشبهة الدارئة للحدّ ﴿ العقد ﴾ على المحرَّمة

__________________

(*) في ( ق ): الأمة، وفي ( س): لاُمّه، وفي هامشها: للاُمّ خ ل.

(١) الوسائل ١٨: ٣٣٦، الباب ٢٤ من أبواب مقدّمات الحدود وأحكامها العامّة، الحديث ٤. نقلاً بالمضمون.

﴿ بمجرّده ﴾ من غير أن يظنّ الحلّ إجماعاً منّا؛ لانتفاء معنى الشبهة حينئذٍ. ونبّه بذلك على خلاف أبي حنيفة (١) حيث اكتفى به في درء الحدّ، وهو الموجب لتخصيصه البحث عن قيد الشبهة، دون غيرها من قيود التعريف.

﴿ ويتحقّق الإكراه ﴾ على الزنا ﴿ في الرجل ﴾ على أصحّ القولين (٢) ﴿ فيدرأ الحدّ عنه ﴾ به ﴿ كما يدرأ عن المرأة بالإكراه ﴾ لها؛ لاشتراكهما في المعنى الموجب لرفع الحكم، ولاستلزام عدمه في حقّه التكليف بما لا يطاق.

وربما قيل (٣) بعدم تحقّقه في حقّه، بناءً على أنّ الشهوة غير مقدورة وأنّ الخوف يمنع من انتشار العضو وانبعاث القوّة.

ويضعَّف بأنّ القدر الموجب للزنا وهو تغيّب (٤) الحشفة غير متوقّف على ذلك كلّه غالباً لو سلّم توقّفه على الاختيار، ومنع الخوف منه.

﴿ ويثبت الزنا ﴾ في طرف الرجل والمرأة ﴿ بالإقرار ﴾ به ﴿ أربع مرّات مع كمال المقرّ ﴾ ببلوغه وعقله ﴿ واختياره وحرّيّته، أو تصديق المولى ﴾ له فيما أقرّ به؛ لأنّ المانع من نفوذه كونه إقراراً في حقّ المولى. وفي حكم تصديقه انعتاقه، لزوال المانع من نفوذه.

ولا فرق في الصبيّ بين المراهق وغيره في نفي الحدّ عنه بالإقرار. نعم يؤدَّب، لكذبه أو صدور الفعل عنه؛ لامتناع خلوّه منهما.

ولا في المجنون بين المطبق ومن يعتوره أدواراً إذا وقع الإقرار حالةَ الجنون. نعم لو أقرّ حالَ كماله حُكم عليه.

__________________

(١) المشار إليه في الهامش رقم ٤ الصفحة ٢٦٣.

(٢) تقدّم تخريج القولين في الصفحة ٢٦٤، الهامش رقم ١.

(٣) تقدّم تخريج القولين في الصفحة ٢٦٤، الهامش رقم ١.

(٤) في ( ع ): تغييب.