درس الروضة البهیة (فقه ۶) (اللقطة - الدیات)

جلسه ۱۵۶: کتاب الحدود ۳۰: حدّ القذف ۴

 

ويظهر منه الميل إلى عدمه محتجّاً بإباحته، استناداً إلى رواية البرقي عن أبي عبد الله عليه‌السلام: « إذا جاهر الفاسق بفسقه فلا حرمة له ولا غيبة » (١) وفي مرفوع محمّد بن بزيع: « من تمام العبادة الوقيعة في أهل الريب » (٢) ولو قيل بهذا لكان حسناً.

﴿ ولو قال لكافر اُمّه مسلمة: يا بن الزانية، فالحدّ لها ﴾ لاستجماعها لشرائط وجوبه، دون المواجَه.

﴿ فلو ﴾ ماتت أو كانت ميتة و ﴿ ورثها الكافر فلا حدّ ﴾؛ لأنّ المسلم لا يُحدّ للكافر (٣) بالأصالة، فكذا بالإرث.

ويتصوّر إرث الكافر للمسلم على تقدير موت المسلم مرتدّاً عند الصدوق (٤) وبعض الأصحاب (٥) أمّا عند المصنّف فغير واضح، وقد فرض المسألة كذلك في القواعد لكن بعبارة أقبل من هذه للتأويل (٦).

__________________

(١) الوسائل ٨: ٦٠٥، الباب ١٥٤ من أبواب أحكام العشرة، الحديث ٤.

(٢) السرائر ٣: ٦٤٤، والبحار ٧٥: ١٦١.

(٣) في ( ر ) و ( ش ): لكافر.

(٤) المقنع: ٥٠٨.

(٥) نقله العلّامة عن ابن الجنيد، راجع المختلف ٩: ١٠٧.

(٦) فإنّه قال [ القواعد ٣: ٥٤٥ ]: ولو قال لكافر اُمّه مسلمة: يا بن الزانية حدّ، وإن كانت ميتةولا وارث لها سوى الكافر لم يحدّ. وهذه العبارة لا تقتضي إرث الكافر. ويحمل قوله: « لا وارث لها سوى الكافر » أي لا وارث لها على الخصوص غيره، بأن يكون وارثها الإمام فإنّه وارث من لا وارث له، فيصدق أنّه لا وارث لها غير الكافر ولا يستلزم كونه وارثاً. ( منه رحمه‌الله ).

﴿ ولو تقاذف المحصنان ﴾ بما يوجب الحدّ ﴿ عزّرا ﴾ ولا حدّ على أحدهما؛ لصحيحة أبي ولّاد عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال: « اتي أمير المؤمنين عليه‌السلام برجلين قذف كلّ واحد منهما صاحبه بالزنا في بدنه، فقال: يدرأ عنهما الحدّ، وعزّرهما » (١).

﴿ ولو تعدّد المقذوف تعدّد الحدّ، سواء اتّحد القاذف أو تعدّد ﴾ لأنّ كلّ واحد سبب تامّ في وجوب الحدّ فيتعدّد المسبّب.

﴿ نعم، لو قذف ﴾ الواحد ﴿ جماعةً بلفظ واحد ﴾ بأن قال: أنتم زُناة، ونحوه ﴿ واجتمعوا في المطالبة ﴾ له بالحدّ ﴿ فحدّ واحد، وإن افترقوا ﴾ في المطالبة ﴿ فلكلّ واحد حدّ ﴾ لصحيحة جميل عن أبي عبد الله عليه‌السلام في رجل افترى على قوم جماعة قال: « إن أتوا به مجتمعين ضُرِب حدّاً واحداً، وإن أتوا به متفرّقين ضرب لكلّ واحد منهم حدّاً » (٢).

وإنّما حملناه على ما لو كان القذف بلفظ واحد مع أنّه أعمّ جمعاً بينه وبين صحيحة الحسن العطّار عنه عليه‌السلام في رجل قذف قوماً جميعاً قال عليه‌السلام: « بكلمة واحدة ؟ قلت: نعم، قال: يُضرب حدّاً واحداً، فإن فرّق بينهم في القذف ضُرِب لكلّ واحد منهم حدّاً » (٣) بحمل الاُولى على ما لو كان القذف بلفظ واحد، والثانية على ما لو جاؤوا به مجتمعين.

وابن الجنيد رحمه‌الله عكس، فجعل القذف بلفظ واحد موجباً لاتّحاد الحدّ مطلقاً، وبلفظٍ متعدّدٍ موجباً للاتّحاد إن جاؤوا مجتمعين، وللتعدّد إن جاؤوا

__________________

(١) الوسائل ١٨: ٤٥١، الباب ١٨ من أبواب حدّ القذف، الحديث ٢. وفيه: « فدرأ عنهما الحدّ ».

(٢) الوسائل ١٨: ٤٤٤، الباب ١١ من أبواب حدّ القذف، الحديث الأوّل مع اختلاف يسير.

(٣) نفس المصدر، الحديث ٢.

متفرّقين ونفى عنه في المختلف البأس محتجّاً بدلالة الخبر الأوّل عليه، وهو أوضح طريقاً (١)(٢).

وفيه نظر؛ لأنّ تفصيل الأوّل شامل للقذف المتّحد والمتعدّد، فالعمل به يوجب التفصيل فيهما.

والظاهر أنّ قوله فيه (٣): « جماعة » صفة للقوم؛ لأنّه أقرب وأنسب بالجماعة، لا للقذف. وإنّما يتّجه قوله (٤) لو جُعل صفة للقذف المدلول عليه بالفعل، واُريد بالجماعة القذف المتعدّد. وهو بعيد جدّاً.

﴿ وكذا الكلام في التعزير ﴾ فيُعزّر قاذف الجماعة بما يوجبه بلفظٍ متعدّدٍ متعدّداً مطلقاً، وبمتّحد إن جاؤوا به متفرّقين، ومتّحداً إن جاؤوا به (٥) مجتمعين، ولا نصّ فيه على الخصوص، ومن ثمّ أنكره ابن إدريس وأوجب التعزير لكلّ واحد مطلقاً (٦) محتجّاً بأنّه قياس (٧) ونحن نقول بموجبه، إلّا أنّه قياس مقبول؛ لأنّ

__________________

(١) المختلف ٩: ٢٥٦ ـ ٢٥٧.

(٢) الظاهر أنّ وجه وضوحه أنّ في طريق الثاني [ صحيحة العطّار ] أبان وهو مشترك بين الثقة وغيره، بل الظاهر أنّ المراد به أبان بن عثمان وهو ناووسي، إلّا أنّ المصنّف نقل عن الكشّي إجماع العصابة على تصحيح ما يصحّ عنه وقوّى العمل بروايته، ثمّ لو عملنا بالرواية الاُولى صحيحة جميل ] فدلالتها على ما ادّعاه ممنوعة. ( منه رحمه‌الله ).

(٣) في الخبر الأوّل.

(٤) قول ابن الجنيد.

(٥) لم يرد « به » في ( ع ) و ( ف ).

(٦) من غير اعتبار التفصيل السابق في القذف، فإنّه لا دليل هنا، فيحكم بمقتضى موجب التعزير. ( هامش ر ).

(٧) السرائر ٣: ٥٣٥.

تداخل الأقوى يوجب تداخل الأضعف بطريق أولى. ومع ذلك فقول ابن إدريس لا بأس به.

وبقي في هذا الفصل ﴿ مسائل ﴾:

﴿ حدّ القذف ثمانون جلدة ﴾ إجماعاً، ولقوله تعالى: ( وَالَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَنَاتِ ) إلى قوله: ( فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً )(١) ولا فرق في القاذف بين الحرّ والعبد على أصحّ القولين (٢) ومن ثَمَّ أطلق.

ويُجلد القاذف ﴿ بثيابه ﴾ المعتادة ولا يجرّد كما يجرّد الزاني، ولا يُضرب ضرباً شديداً، بل حدّاً ﴿ متوسّطاً، دون ضرب الزنا، ويُشهَّر ﴾ القاذف ﴿ ليُجتَنَب شهادته ﴾.

﴿ ويثبت ﴾ القذف ﴿ بشهادة عدلين ﴾ ذكرين، لا بشهادة النساء منفردات ولا منضمّات وإن كثرن ﴿ والإقرار مرّتين من مكلّف حرّ مختار ﴾ فلا عبرة بإقرار الصبيّ والمجنون، والمملوك مطلقاً والمكرَه عليه. ولو انتفت البيّنة والإقرار فلا حدّ. ولا يمين على المنكر.

﴿ وكذا ما يوجب التعزير ﴾ لا يثبت إلّا بشاهدين ذكرين عدلين، أو الإقرار من المكلَّف الحرّ المختار.

ومقتضى العبارة اعتباره مرّتين مطلقاً، وكذا أطلق غيره (٣) مع أنّه تقدّم حكمه بتعزير المقرّ باللواط دون الأربع (٤) الشامل للمرّة. إلّا أن يحمل ذلك على

__________________

(١) النور: ٤.

(٢) تقدّم في الصفحة ٣١٦.

(٣) كالعلّامة في القواعد ٣: ٥٤٨، والإرشاد ٢: ١٧٩، والتحرير ٥: ٤٠٧.

(٤) راجع الصفحة ٣٠٢.