درس الروضة البهیة (فقه ۶) (اللقطة - الدیات)

جلسه ۱۶۲: کتاب الحدود ۳۶: حدّ الشرب ۳

 

في عبد مملوك قذف حرّاً، قال: « يحدّ ثمانين، هذا من حقوق المسلمين. فأمّا ما كان من حقوق اللّٰه عزّ وجلّ فإنّه يُضرَب نصف الحدّ» قلت: الذي من حقوق اللّٰه عزّ وجلّ ما هو؟ قال: «إذا زنى أو شرب الخمر فهذا من الحقوق التي يُضرَب فيها نصف الحدّ» (١).

وحمله الشيخ على التقيّة (٢).

وروى يحيى بن أبي العلا عنه عليه‌السلام أنّ « حدّ المملوك نصف حدّ الحرّ » (٣) من غير تفصيل، وخصّه بحدّ الزنا.

والتحقيق: أنّ الأحاديث من الطرفين غير نقيّة الإسناد وأنّ خبر التنصيف (٤) أوضح، وأخبار المساواة أشهر.

﴿ ويُضرب الشارب ﴾ ومن في معناه (٥) ﴿ عارياً ﴾ مستورَ العورة ﴿ على ظهره وكتفيه ﴾ وسائر جسده ﴿ ويُتّقى وجهه وفرجه ومقاتِله، ويُفرَّق الضرب على جسده ﴾ غير ما ذكر.

﴿ ولو تكرّر الحدّ قتل في الرابعة ﴾ لما رواه الصدوق في الفقيه مرسلاً أنّه يقتل في الرابعة (٦) ولأنّ الزنا أعظم منه ذنباً وفاعله يقتل في الرابعة، كما مضى (٧)

__________________

(١) الوسائل ١٨: ٤٧٢ ـ ٤٧٣، الباب ٦ من أبواب حدّ المسكر، الحديث ٧ وفيه: « يجلد ثمانين ».

(٢) التهذيب ١٠: ٩٣، ذيل الحديث ٣٥٧، والاستبصار ٤: ٢٣٧، ذيل الحديث ٨٩٤.

(٣) الوسائل ١٨: ٤٧٣، الباب ٦ من أبواب حدّ المسكر، الحديث ٩.

(٤) وهو رواية الحضرمي، راجع المسالك ١٤: ٤٦٥.

(٥) كشارب دخان الحشيشة.

(٦) الفقيه ٤: ٥٦، ذيل الحديث ٥٠٨٩.

(٧) مضى في الصفحة ٣٠٥.

فهنا أولى. وذهب الأكثر إلى قتله في الثالثة (١) للأخبار الكثيرة الصحيحة الصريحة في ذلك بخصوصه (٢) وصحيحة يونس عن الكاظم عليه‌السلام: « يُقتل أصحاب الكبائر كلّهم في الثالثة إذا اُقيم عليهم الحدّ مرّتين » (٣) وهذا أقوى. والمرسل غير مقبول مطلقاً، خصوصاً مع معارضة الصحيح. ويُمنع قتل الزاني في الرابعة، وقد تقدّم (٤) ﴿ ولو شرب مراراً ﴾ ولم يُحدّ ﴿ فواحد ﴾ كغيره ممّا يوجب الحدّ.

﴿ ويُقتل مستحلّ الخمر إذا كان عن فطرة ﴾ ولا يستتاب؛ لأنّه مرتدّ من حيث إنكاره ما عُلِم من دين الإسلام ضرورة.

﴿ وقيل ﴾: والقائل الشيخان: ﴿ يستتاب ﴾ شاربها عن فطرة، فإن تاب، وإلّا قتل (٥) والأقوى الأوّل.

نعم، لو كان عن ملّة استتيب قطعاً كالارتداد بغيره، فإن تاب وإلّا قتل. وتستتاب المرأة مطلقاً.

﴿ وكذا يستتاب ﴾ الرجل ﴿ لو استحلّ بيعها، فإن امتنع ﴾ من التوبة ﴿ قُتل ﴾ كذا أطلقه المصنّف وغيره (٦) من غير فرق بين الفطري والملّي. ولو باعها غير مستحلّ عُزّر.

__________________

(١) منهم المفيد في المقنعة: ٨٠١، والشيخ في النهاية: ٧١٢، والقاضي في المهذّب ٢: ٥٣٦، وغيرهم.

(٢) الوسائل ١٨: ٤٧٦ ـ ٤٧٩، الباب ١١ من أبواب حدّ المسكر.

(٣) الوسائل ١٨: ٤٧٦، الباب ١١ من أبواب حدّ المسكر، الحديث ٢ منقول بالمضمون.

(٤) تقدّم في الصفحة ٣٠٥، لكنّه استجود القتل في الرابعة احتياطاً.

(٥) المقنعة: ٧٩٩، والنهاية: ٧١١ ـ ٧١٢.

(٦) مثل القاضي في المهذّب ٢: ٥٣٦، وابن إدريس في السرائر: ٤٧٧، والمحقّق في الشرائع ٤: ١٧٠.

﴿ ولا يُقتل مستحلّ ﴾ شرب ﴿ غيرها ﴾ أي غير الخمر من المسكرات، للخلاف فيه بين المسلمين، وهو كافٍ في عدم كفر مستحلّه وإن أجمعنا على تحريمه.

وربما قيل بإلحاقه بالخمر (١) وهو نادر. وأولى بالعدم مستحلّ بيعه.

﴿ ولو تاب الشارب ﴾ للمسكر ﴿ قبل قيام البيّنة ﴾ عليه ﴿ سقط الحدّ ﴾ عنه. ﴿ ولا يسقط ﴾ الحدّ لو كانت توبته ﴿ بعدها ﴾ أي بعد قيام البيّنة؛ لأصالة البقاء. وقد تقدّم مثله (٢).

﴿ و ﴾ لو تاب ﴿ بعد إقراره ﴾ بالشرب ﴿ يتخيّر الإمام ﴾ بين إقامته عليه والعفو؛ لأنّ التوبة إذا أسقطت تحتُّمَ أقوى العقوبتين وهو القتل، فإسقاطها لأدناهما أولى.

وقيل: يختصّ الحكم بما يوجب القتل، ويتحتّم هنا استيفاؤه (٣) عملاً بالأصل. والأوّل أشهر.

﴿ ويثبت ﴾ هذا الفعل ﴿ بشهادة عدلين، أو الإقرار مرّتين ﴾ مع بلوغ المقرّ وعقله واختياره وحرّيّته ﴿ ولو شهد أحدهما (٤) بالشرب والآخر بالقيء قيل: يحدّ (٥) لما رُوي عن عليّ عليه‌السلام ﴾ في حقّ الوليد لمّا شهد عليه واحد بشربها

__________________

(١) قاله أبو الصلاح في الكافي: ٤١٣.

(٢) تقدّم في الصفحة ٣٠٥ في حدّ اللواط.

(٣) قاله ابن إدريس في السرائر ٣: ٤٧٩، ونسبه إلى الشيخ في المبسوط ( ٨: ٤ ) والخلاف، ولم نجده فيه.

(٤) في ( ع ) بدل « أحدهما »: واحد.

(٥) قاله المحقّق في الشرائع ٤: ١٧٠.

وآخر بقيئها فقال عليه‌السلام: ﴿ ما قاءها إلّا وقد شربها ﴾ (١)(٢).

قال المصنّف في الشرح: عليها (٣) فتوى الأصحاب ولم أقف فيه على مخالف (٤) لكنّ العلّامة جمال الدين بن طاووس قال في الملاذ: « لا أضمن درك طريقه » وهو مشعر بالتوقّف (٥).

وكذلك العلّامة استشكل الحكم في القواعد من حيث إنّ القيء وإن لم يحتمل إلّا الشرب، إلّا أنّ مطلق الشرب لا يوجب الحدّ؛ لجواز الإكراه (٦) ويندفع بأنّ الإكراه خلاف الأصل، ولأنّه لو كان كذلك لادّعاه.

ويلزم من قبول الشهادة كذلك قبولها لو شهدا معاً بالقيء، نظراً إلى التعليل المذكور.

وقد يشكل ذلك بأنّ العمدة في الأوّل الإجماع كما ادّعاه ابن إدريس (٧) وهو منفيّ في الثاني، واحتمال الإكراه يوجب الشبهة وهي تدرأ الحدَّ. وقد علم ما فيه. نعم، يعتبر إمكان مجامعة القيء للشرب المشهود به، فلو شهد أحدهما أنّه شربها يوم الجمعة، وآخر (٨) أنّه قاءها قبل ذلك أو بعده بأيّام لم يحدّ؛ لاختلاف

__________________

(١) الوسائل ١٨: ٤٨٠، الباب ١٤ من أبواب حدّ المسكر، وفيه حديث واحد. وفيه وفي سائر المصادر: وما قاءها حتّى شربها، وقد وردت الرواية في حقّ قدامة بن مظعون.

(٢) في طريقها موسى بن جعفر البغدادي، وهو مجهول. ( منه رحمه‌الله ).

(٣) في المصدر: عليه.

(٤) فيه زيادة: صريحاً.

(٥) غاية المراد ٤: ٢٣٩ ـ ٢٤٠.

(٦) القواعد ٣: ٥٥٣.

(٧) السرائر ٣: ٤٧٥.

(٨) في ( ش ) و ( ر ): والآخر.