درس الروضة البهیة (فقه ۶) (اللقطة - الدیات)

جلسه ۱۸۳: کتاب الحدود ۵۷: عقوبات متفرقه ۴

 

للأصل، وعدم دلالة النصوص عليه، وللتعليل بأنّ بيعها خارجه ليخفى خبرها (١) وهو مخفيّ هنا.

ولو كانت لغيره، فهل يثبت عليه الغرم ويجب عليه التوصّل إلى إتلاف المأكولة بإذن المالك ولو بالشراء منه ؟ الظاهر العدم.

نعم، لو صارت ملكه بوجه من الوجوه وجب عليه إتلاف المأكولة؛ لتحريمها في نفس الأمر. وفي وجوب كونه بالذبح ثمّ الإحراق وجه قويّ. ولو لم تنتقل إلى ملكه لكن ذبحها المالك أو غيره لم يحلّ للفاعل الأكل من لحمها لعلمه بتحريمه. وكذا القول في نسلها ولبنها ونحوه.

﴿ ومنها: وطء الأموات ﴾ زناً ولواطاً:

﴿ وحكمه حكم الأحياء ﴾ في الحدّ والشرائط ﴿ و ﴾ يزيد هنا أنّه ﴿ تغلظ ﴾ عليه ﴿ العقوبة ﴾ بما يراه الحاكم ﴿ إلّا أن تكون ﴾ الموطوءة ﴿ زوجته ﴾ أو أمته المحلّلة له (٢) ﴿ فيعزّر ﴾ خاصّة، لتحريم وطئها، ولا يُحدّ؛ لعدم الزنا، إذ لم تخرج بالموت عن الزوجيّة، ومن ثَمّ جاز له تغسيلها.

﴿ ويثبت ﴾ هذا الفعل ﴿ بأربعة ﴾ شهود ذكور ﴿ على الأقوى ﴾ كالزنا واللواط؛ لأنّه زنا ولواط في الجملة، بل أفحش، فيتناوله عموم أدلّة توقّف ثبوته على الأربعة (٣).

__________________

(١) راجع الوسائل ١٨: ٥٧٠ ـ ٥٧١، الباب الأوّل من أبواب نكاح البهائم، الحديث ١ و ٤.

(٢) لم يرد « له » في ( ع ) و ( ف ).

(٣) النور: ٤ و ١٣، والوسائل ١٨: ٣٧١ ـ ٣٧٣، الباب ١٢ من أبواب حدّ الزنا، والمستدرك ١٨: ٨٣، الباب ٣ من أبواب حدّ اللواط، وفيه حديث واحد.

وقيل: يثبت بشهادة عدلين؛ لأنّه شهادة على فعل واحد يوجب حدّاً واحداً كوطء البهيمة، بخلاف الزنا واللواط بالحيّ، فإنّه يوجب حدّين فاعتُبر فيه الأربعة؛ لأنّها شهادة على اثنين (١).

وفيه نظر؛ لانتقاضه بالوطء الإكراهي والزنا بالمجنونة، فإنّه كذلك مع اشتراط الأربعة إجماعاً. والمتحقّق اعتبار الأربعة من غير تعليل، بل في كثير من النصوص (٢) ما ينافي تعليله، وإنّ توقّف الزنا على الأربعة والقتل على الاثنين ـ مع أنّه أعظم ـ دليلٌ على بطلان القياس.

والإقرار فرع الشهادة، فحيث اعتبرنا الأربعة يثبت بها ﴿ أو إقراره * أربع ﴾ مرّات بشرائطها السابقة. ومن اكتفى بالشاهدين اكتفى بالإقرار مرّتين.

وحيث ألحقنا الميّت بالحيّ، فما يثبت بشهادة النساء في الزنا بالحيّة يثبت هنا على الأقوى؛ للعموم (٣) مع احتمال العدم؛ لقيام الشبهة الدارئة للحدّ، وما تقدّم (٤).

﴿ ومنها: الاستمناء ﴾:

وهو استدعاء إخراج المنيّ ﴿ باليد ﴾ أي يد المستمني ﴿ وهو ﴾ حرام

__________________

(١) قاله المفيد في المقنعة: ٧٩٠، والشيخ في النهاية: ٧٠٨، والقاضي في المهذّب ٢: ٥٣٤، وغيرهم.

(٢) راجع الوسائل ١٨: ٣٧١، الباب ١٢ من أبواب حدّ الزنا.

(*) في ( ق ): الإقرار، وفي ( س ): إقرار.

(٣) الوسائل ١٨: ٢٥٩، الباب ٢٤ من أبواب الشهادات.

(٤) من بطلان القياس ( هامش ش ).

﴿ يوجب التعزير ﴾ بما يراه الحاكم، لقوله تعالى: ( وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إلَّاعَلَى أزْوَاجِهِمْ ) إلى قوله: ( فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَاوْلَئِكَ هُمُ العَادُونَ )(١) وهذا الفعل ممّا وراء ذلك. وعن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه لعن الناكح كفَّه (٢) وفي معنى اليد إخراجه بغيرها من جوارحه وغيرها ممّا عدا الزوجة والمملوكة.

وفي تحريمه بيد زوجته ومملوكته المحلَّلة له وجهان: من وجود المقتضي للتحريم وهو إخراج المنيّ وتضييعه بغير الجماع وبه قطع العلّامة في التذكرة (٣) ومن منع كون ذلك هو المقتضي، وعدم تناول الآية والخبر له؛ إذ لم يخصّ حفظ الفرج في الزوجة وملك اليمين بالجماع، فيتناول محلّ النزاع.

وفي تعدّي التحريم إلى غير أيديهما من بدنهما غير الجماع احتمال. وأولى بالجواز هنا لو قيل به ثَمَّ؛ لأنّه ضرب من الاستمتاع.

﴿ ورُوي ﴾ بسند ضعيف (٤) عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما‌السلام ﴿ أنّ عليّاً عليه‌السلام ضرب يده ﴾ (٥) أي يد رجل استمنى بيده. وفي الاُخرى: عبث بذكره إلى أن أنزل ﴿ حتّى احمرّت ﴾ يده من الضرب ﴿ وزوَّجه من بيت المال ﴾ (٦)

__________________

(١) المؤمنون: ٥ ـ ٧.

(٢) عوالي اللآلئ ١: ٢٦٠، الحديث ٣٨.

(٣) التذكرة ٢: ٥٧٧، ( الحجريّة ) كتاب النكاح.

(٤) في طريق ما روي عن أبي جعفر عليه‌السلام « أبي جميلة » وهو ضعيف كذّاب يضع الحديث. وفي طريق ما روي عن أبي عبد الله عليه‌السلام « طلحة بن زيد » وهو بتريّ عامّي. اُنظر فهارس المسالك ١٦: ٢٩٧، ٢٩٠.

(٥) الوسائل ١٨: ٥٧٤، الباب ٣ من أبواب نكاح البهائم، الحديث الأوّل.

(٦) المصدر المتقدّم: ٥٧٥، الحديث ٢.

وهو ـ مع ما في سنده ـ حكم في واقعة مخصوصة بما رآه، لا أنّ ذلك تعزيره مطلقاً.

﴿ ويثبت ﴾ ذلك ﴿ بشهادة عدلين والإقرار مرّة ﴾ واحدة؛ لعموم الخبر (١) إلّا ما أخرجه الدليل من اعتبار العدد، وهو هنا منفيّ. وقال ابن إدريس: يثبت بالإقرار مرّتين (٢) وظاهره أنّه لا يثبت بدونه، فإن أراد ذلك فهو ضعيف؛ لما ذكرناه.

﴿ ومنها: الارتداد ﴾:

﴿ وهو الكفر بعد الإسلام، أعاذنا الله ممّا يوبق الأديان ﴾ والكفر يكون بنيّةٍ (٣) وبقولٍ كفرٍ، وفعلٍ مُكفِّر.

فالأوّل: العزم على الكفر ولو في وقت مترقَّب. وفي حكمه التردّد فيه.

والثاني: كنفي الصانع لفظاً، أو الرُسُل، وتكذيب رسولٍ، وتحليل محرّم بالإجماع كالزنا، وعكسه كالنكاح، ونفي وجوب مجمع عليه كركعة من الصلوات الخمس، وعكسه كوجوب صلاة سادسة يوميّة.

والضابط: إنكار ما علم من الدين ضرورة. ولا فرق في القول بين وقوعه عناداً أو اعتقاداً أو استهزاءً، حملاً على الظاهر. ويمكن ردّ هذه الأمثلة إلى الأوّل حيث يعتقدها من غير لفظ.

والثالث: ما تعمّده استهزاءً صريحاً بالدين، أو جحوداً له، كإلقاء مصحف

__________________

(١) وهو إقرار العقلاء على أنفسهم جائز، وقد تقدّم في الصفحة ٣٨٠، الهامش رقم ٤.

(٢) السرائر ٣: ٤٧١.

(٣) في ( ع ) و ( ف ): بنيّته.