درس الروضة البهیة (فقه ۶) (اللقطة - الدیات)

جلسه ۱۸۴: کتاب الحدود ۵۸: عقوبات متفرقه ۵

 

وهو ـ مع ما في سنده ـ حكم في واقعة مخصوصة بما رآه، لا أنّ ذلك تعزيره مطلقاً.

﴿ ويثبت ﴾ ذلك ﴿ بشهادة عدلين والإقرار مرّة ﴾ واحدة؛ لعموم الخبر (١) إلّا ما أخرجه الدليل من اعتبار العدد، وهو هنا منفيّ. وقال ابن إدريس: يثبت بالإقرار مرّتين (٢) وظاهره أنّه لا يثبت بدونه، فإن أراد ذلك فهو ضعيف؛ لما ذكرناه.

﴿ ومنها: الارتداد ﴾:

﴿ وهو الكفر بعد الإسلام، أعاذنا الله ممّا يوبق الأديان ﴾ والكفر يكون بنيّةٍ (٣) وبقولٍ كفرٍ، وفعلٍ مُكفِّر.

فالأوّل: العزم على الكفر ولو في وقت مترقَّب. وفي حكمه التردّد فيه.

والثاني: كنفي الصانع لفظاً، أو الرُسُل، وتكذيب رسولٍ، وتحليل محرّم بالإجماع كالزنا، وعكسه كالنكاح، ونفي وجوب مجمع عليه كركعة من الصلوات الخمس، وعكسه كوجوب صلاة سادسة يوميّة.

والضابط: إنكار ما علم من الدين ضرورة. ولا فرق في القول بين وقوعه عناداً أو اعتقاداً أو استهزاءً، حملاً على الظاهر. ويمكن ردّ هذه الأمثلة إلى الأوّل حيث يعتقدها من غير لفظ.

والثالث: ما تعمّده استهزاءً صريحاً بالدين، أو جحوداً له، كإلقاء مصحف

__________________

(١) وهو إقرار العقلاء على أنفسهم جائز، وقد تقدّم في الصفحة ٣٨٠، الهامش رقم ٤.

(٢) السرائر ٣: ٤٧١.

(٣) في ( ع ) و ( ف ): بنيّته.

أو بعضه بقاذورة قصداً، وسجودٍ لصنم.

ويعتبر فيما خالف الإجماع: كونه ممّا ثبت حكمه في دين الإسلام ضرورةً كما ذكر لخفاء كثير من الإجماعيّات على الآحاد، وكون الإجماع من أهل الحلّ والعقد من المسلمين، فلا يكفر المخالف في مسألة خلافيّة وإن كان نادراً.

وقد اختلف عبارات الأصحاب وغيرهم (١) في هذا الشرط، فاقتصر بعضهم على اعتبار مطلق الإجماع (٢) وآخرون على إضافة ما ذكرناه (٣) وهو الأجود. وقد يتّفق للشيخ رحمه‌الله الحكم بكفر مستحلّ ما خالف إجماعنا خاصّة كما تقدّم نقله عنه في باب الأطعمة (٤) وهو نادر.

وفي حكم الصنم ما يُقصد به العبادة للمسجود له، فلو كان مجرّد التعظيم مع اعتقاد عدم استحقاقه للعبادة لم يكن كفراً، بل بدعة قبيحة وإن استحقّ التعظيم بغير هذا النوع؛ لأنّ الله تعالى لم ينصب السجود تعظيماً لغيره.

﴿ ويقتل ﴾ المرتدّ ﴿ إن كان ﴾ ارتداده ﴿ عن فطرة ﴾ الإسلام؛ لقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله: « من بدّل دينه فاقتلوه » (٥).

وصحيحة محمّد بن مسلم عن الباقر عليه‌السلام: « من رغب عن الإسلام وكفر

__________________

(١) راجع مغني المحتاج ٤: ١٣٦.

(٢) كالمحقّق في الشرائع ٤: ١٧١، والعلّامة في القواعد ٣: ٥٥٣، والشهيد في اللمعة، وقد تقدّم في الصفحة ٣٣٧.

(٣) كابن إدريس في السرائر ٣: ٤٧٦، والسيوري في التنقيح الرائع ٤: ٣٧١، والشهيد في غاية المراد ٤: ٢٤١.

(٤) تقدّم في الصفحة ١٠٦.

(٥) المستدرك ١٨: ١٦٣، الباب الأوّل من أبواب حدّ المرتدّ، الحديث ٢.

بما اُنزل على محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله بعد إسلامه فلا توبة له، وقد وجب قتله وبانت منه امرأته، ويقسم ما ترك على ولده » (١).

وروى عمّار عن الصادق عليه‌السلام قال: « كلّ مسلم بين مسلمين ارتدّ عن الإسلام وجحد محمّداً صلى‌الله‌عليه‌وآله نبوّته وكذّبه، فإنّ دمه مباح لكلّ من سمع ذلك منه، وامرأته بائنة منه يوم ارتدّ فلا تقربه، ويُقسم ماله على ورثته، وتعتدّ امرأته عدّة المتوفّى عنها زوجها، وعلى الإمام أن يقتله ولا يستتيبه » (٢).

﴿ ولا تقبل توبته ﴾ ظاهراً؛ لما ذكرناه وللإجماع، فيتعيّن قتله مطلقاً. وفي قبولها باطناً قول قويّ (٣) حذراً من تكليف ما لا يطاق لو كان مكلَّفاً بالإسلام، أو خروجه عن التكليف ما دام حيّاً كاملَ العقل، وهو باطل بالإجماع. وحينئذٍ فلو لم يطّلع عليه أحد أو لم يُقدَر على قتله أو تأخّر قتله بوجهٍ وتاب قُبلت توبته فيما بينه وبين الله تعالى، وصحّت عباداته ومعاملاته، وطهر بدنه، ولا يعود ماله وزوجته إليه بذلك، عملاً بالاستصحاب. ولكن يصحّ له تجديد العقد عليها بعد العدّة. وفي جوازه فيها وجه، كما يجوز للزوج العقد على المعتدّة منه بائناً.

وبالجملة، فيُقتصر من (٤) الأحكام بعد توبته على الاُمور الثلاثة (٥) في حقّه وحقّ غيره، وهذا أمر آخر وراء القبول باطناً.

__________________

(١) الوسائل ١٨: ٥٤٤، الباب الأوّل من أبواب حدّ المرتدّ، الحديث ٢.

(٢) المصدر المتقدّم: ٥٤٥، الحديث ٣، وليس فيه: « فلا تقربه ».

(٣) قاله الشهيد في الدروس ٢: ٥٢.

(٤) في ( ر ): في.

(٥) القتل، وبينونة الزوجة، وتقسيم التركة.