درس الروضة البهیة (فقه ۶) (اللقطة - الدیات)

جلسه ۲۰۰: کتاب القصاص ۱۲: قصاص النفس ۱۲

 

وقيل: يكون للثاني (١) لصيرورته لأولياء الأوّل بالجناية الاُولى، فإذا قتل الثاني انتقل إلى أوليائه، ولرواية عليّ بن عقبة عن الصادق عليه‌السلام « في عبد قتل أربعة أحرار واحداً بعد واحد، قال: هو لأهل الأخير من القتلى، إن شاؤوا قتلوه وإن شاؤوا استرقّوه؛ لأنّه إذا قتل الأوّل استحقّه أولياؤه، فإذا قتل الثاني استحقّ من أولياء الأوّل فصار لأولياء الثاني » وهكذا... (٢) وهذا الخبر مع ضعف سنده (٣) يمكن حمله على ما لو اختار أولياء السابق استرقاقه قبل جنايته على اللاحق، جمعاً بينه وبين ما سبق. وكذا الحكم لو تعدّد مقتوله.

﴿ وكذا لو قتل عبدين ﴾ لمالكين يستوعب كلٌّ منهما قيمتَه ﴿ أو ﴾ قتل ﴿ حرّاً وعبداً ﴾ كذلك، فإنّ موليي العبدين يشتركان فيه ما لم يسبق مولى الأوّل إلى استرقاقه قبل جنايته على الثاني، فيكون لمولى الثاني، وكذا وليّ الحرّ ومولى العبد. ولو اختار الأوّل المال ورضي به المولى تعلّق حقّ الثاني برقبته.

وقيل: يقدّم الأوّل (٤) لأنّ حقّه أسبق، ويسقط الثاني؛ لفوات محلّ استحقاقه. والأوّل أقوى.

﴿ ومنها: التساوي في الدين ﴾:

﴿ فلا يقتل مسلم بكافر ﴾ حربيّاً كان الكافر أم ذمّيّاً، ومعاهداً كان الحربي أم لا ﴿ ولكن يعزَّر ﴾ القاتل ﴿ بقتل الذمّي والمعاهد ﴾ لتحريم قتلهما ﴿ ويغرم

__________________

(١) قاله الشيخ في النهاية: ٧٥٢.

(٢) للخبر تتمّة، راجع الوسائل ١٩: ٧٧، الباب ٤٥ من أبواب القصاص في النفس، الحديث ٣.

(٣) ولعلّ الضعف بابن فضّال الواقع في سنده. اُنظر المسالك ١٣: ٣٩٩ ـ ٤٠٠ وكذا الحسن بن أحمد بن سلمة فإنّه مجهول.

(٤) قاله الشيخ في المبسوط ٧: ٨.

دية الذمّيّ ﴾ ويستفاد من ذلك جواز قتل الحربيّ بغير إذن الإمام وإن توقّف جواز جهاده عليه، ويفرق بين قتله وقتاله جهاداً. وهو كذلك؛ لأنّ الجهاد من وظائف الإمام. وهذا يتمّ في أهل الكتاب؛ لأنّ جهادهم يترتّب عليه أحكامٌ غيرُ القتل تتوقّف على الحاكم، أمّا غيرهم فليس في جهاده إلّا القتل أو الإسلام، وكلاهما لا يتوقّف تحقيقه (١) على الحاكم، لكن قد يترتّب على القتل أحكام اُخر مثل أحكام ما يُغنَم منهم ونحوه، وتلك وظيفة الإمام أيضاً.

﴿ وقيل ﴾ والقائل جماعات من الأصحاب ـ منهم الشيخان (٢) والمرتضى (٣) والمحقّق (٤) والعلّامة في أحد قوليه (٥) والمصنّف في الشرح (٦) مدّعياً الإجماع، فإنّ المخالف ابن إدريس (٧) وقد سبقه الإجماع ـ: إنّه ﴿ إن اعتاد قتل أهل الذمّة اقتُصّ منه بعد ردّ فاضل ديته ﴾.

ومستند هذا القول مع الإجماع المذكور:

روايةُ إسماعيل بن الفضل عن الصادق عليه‌السلام قال: « سألته عن دماء النصارى واليهود والمجوس: هل عليهم وعلى من قتلهم شيء إذا غشّوا المسلمين وأظهروا العداوة لهم والغشّ ؟ قال: لا، إلّا أن يكون متعوّداً لقتلهم. قال: وسألته عن المسلم: هل يُقتل بأهل الذمّة وأهل الكتاب إذا قتلهم ؟ قال: لا، إلّا أن يكون

__________________

(١) في ( ر ) و ( ش ): تحقّقه.

(٢) المقنعة: ٧٣٩، والنهاية: ٧٤٩.

(٣) الانتصار: ٥٤٢، المسألة ٣٠٢.

(٤) المختصر النافع: ٢٩٦.

(٥) المختلف ٩: ٣٢٣ ـ ٣٢٤. والقول الآخر له وهو ثبوت التعزير والدية، راجع التحرير ٥: ٤٥٤.

(٦) غاية المراد ٤: ٣٤٧.

(٧) السرائر ٣: ٣٥٢.

معتاداً لذلك لا يدع قتلهم، فيقتل وهو صاغر » (١).

وأنّه مفسد في الأرض بارتكابه قتلَ من حرّم الله قتله.

والعجب أنّ ابن إدريس احتجّ على مذهبه بالإجماع على عدم قتل المسلم بالكافر، وهو استدلال في مقابلة الإجماع. قال المصنّف في الشرح: والحقّ أنّ هذه المسألة إجماعيّة، فإنّه لم يخالف فيها أحد سوى ابن إدريس وقد سبقه الإجماع، ولو كان هذا الخلاف مؤثّراً في الإجماع لم يوجد إجماع أصلاً (٢) والإجماع على عدم قتل المسلم بالكافر يختصّ بغير المعتاد.

وأعجب من ذلك نقل المصنّف ذلك قولاً مشعراً بضعفه، بعد ما قرّره من الإجماع عليه (٣) مع أنّ تصنيفه لهذا الكتاب بعد الشرح.

واحتجّ في المختلف لابن إدريس برواية محمّد بن قيس عن الباقر عليه‌السلام قال: « لا يُقاد مسلم بذمّيّ » (٤) وأجاب بأنّه مطلق فيحمل على المفصِّل (٥).

وفيه: أنّه نكرة في سياق النفي فيعمّ، ومعه يخصّ العامّ بالمخصّص المفصِّل، والمناقشة لفظيّة. والأقوى المشهور.

ثمّ اختلف القائلون بقتله، فمنهم من جعله قَوَداً كالشيخ (٦) ومن تبعه (٧) فأوجبوا ردّ الفاضل من ديته.

__________________

(١) الوسائل ١٩: ١٦٥، الباب ١٦ من أبواب ديات النفس، وفيه حديث واحد.

(٢) غاية المراد ٤: ٣٤٧.

(٣) نقله هنا قولاً، وقرّر الإجماع عليه في غاية المراد.

(٤) الوسائل ١٩: ٨٠، الباب ٤٧ من أبواب القصاص في النفس، الحديث ٥.

(٥) المختلف ٩: ٣٢٤.

(٦) النهاية: ٧٤٩.

(٧) كسلّار في المراسم: ٢٣٨، وابن حمزة في الوسيلة: ٤٣١ و ٤٣٣.