درس الروضة البهیة (فقه ۶) (اللقطة - الدیات)

جلسه ۲۰۴: کتاب القصاص ۱۶: قصاص النفس ۱۶

 

 ﴿ القول في ما يثبت به القتل ﴾

﴿ وهو ثلاثة: الإقرار ﴾ به ﴿ والبيّنة ﴾ عليه ﴿ والقَسامة ﴾ بفتح القاف وهي الأيمان يُقسَّم على أولياء الدم، قاله الجوهري (١).

﴿ فالإقرار يكفي فيه المرّة ﴾ لعموم « إقرار العقلاء على أنفسهم جائز » (٢) وهو يتحقّق بالمرّة حيث لا دليل على اعتبار التعدّد.

وقيل: تعتبر المرّتان (٣) وهو ضعيف.

﴿ ويشترط ﴾ فيه ﴿ أهليّة المقرّ ﴾ بالبلوغ والعقل ﴿ واختياره وحرّيّته ﴾ فلا عبرة بإقرار الصبيّ والمجنون والمكره والعبد ما دام رقّاً ولو بعضه، إلّا أن يُصدّقه مولاه، فالأقرب القبول؛ لأنّ سلب عبارته هنا إنّما كان لحقّ المولى حيث كان له نصيب في نفسه، فإذا وافقه زال المانع مع وجود المقتضي، وهو: قبول إقرار العقلاء على أنفسهم.

ووجه عدم القبول مطلقاً كونه مسلوب أهليّة الإقرار كالصبيّ والمجنون؛ لأنّ العبوديّة صفة مانعة منه كالصِبا (٤) ولأنّ المولى ليس له تعلّق بدم العبد، وليس له جرحه، ولا قطع شيء من أعضائه فلا يقبل مطلقاً.

__________________

(١) صحاح اللغة ٥: ٢٠١٠، ( قسم ).

(٢) الوسائل ١٦: ١١١، الباب ٣ من كتاب الإقرار، الحديث ٢.

(٣) قاله الشيخ في النهاية: ٧٤٢، وتبعه القاضي في المهذّب ٢: ٥٠٢، وابن إدريس في السرائر ٣: ٣٤١، وابن سعيد في الجامع للشرائع: ٥٧٧.

(٤) في ( ر ) زيادة: والجنون.

ولا فرق في ذلك بين القنّ والمدبَّر واُمّ الولد والمكاتب وإن انعتق بعضه كمطلق المبعَّض. نعم، لو أقرّ بقتل يوجب عليه الدية لزمه منها بنسبة ما فيه من الحرّيّة. ولو أقرّ بالعمد ثمّ كمل عتقه اقتُصّ منه؛ لزوال المانع.

﴿ ويُقبل إقرار السفيه والمفلَّس بالعمد ﴾ لأنّ موجَبَه القَوَد وإنّما حُجر عليهما في المال، فيستوفى منهما القصاص في الحال.

ولو أقرّا بالخطأ الموجب للمال على الجاني (١) لم يقبل من السفيه مطلقاً، ويُقبل من المفلَّس لكن لا يشارك المقرَّ له الغرماء على الأقوى، وقد تقدّم في بابه (٢).

﴿ ولو أقرّ واحدٌ بقتله عمداً، وآخرُ ﴾ بقتله ﴿ خطأً تخيّر الوليّ ﴾ في تصديق من شاء منهما وإلزامه بموجب جنايته؛ لأنّ كلّ واحد من الإقرارين سبب مستقلّ في إيجاب مقتضاه على المقرِّ به، ولمّا لم يمكن الجمع تخيّر الوليّ وإن جهل الحال كغيره، وليس له على الآخر سبيل.

﴿ ولو أقرّ بقتله عمداً فأقرّ آخر ببراءة المقرّ ﴾ ممّا أقرّ به من قتله ﴿ وأنّه هو القاتل ورجع الأوّل ﴾ عن إقراره ﴿ وُدي المقتول من بيت المال ﴾ إن كان موجوداً ﴿ ودرئ ﴾ أي رفع ﴿ عنهما القصاص كما قضى به الحسن عليه‌السلام في حياة أبيه ﴾ عليّ عليه‌السلام معلّلاً بأنّ الثاني إن كان ذبح ذاك فقد أحيا هذا، وقد قال الله عزوجل: ( وَمَنْ أحْيَاهَا فَكَأنّمَا أحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً )(٣) وقد عمل بالرواية أكثر

__________________

(١) في ( ع ): للجاني.

(٢) تقدّم في كتاب الإقرار، الجزء الثالث: ٥٢٨.

(٣) المائدة: ٣٢.

الأصحاب مع أنّها مرسلة مخالفة للأصل (١) والأقوى تخيير الوليّ في تصديق أيّهما شاء والاستيفاء منه كما سبق.

وعلى المشهور لو لم يكن بيت مال كهذا الزمان أشكل درء القصاص عنهما وإذهاب حقّ المُقَرّ له مع أنّ مقتضى التعليل ذلك.

ولو لم يرجع الأوّل عن إقراره فمقتضى التعليل بقاء الحكم أيضاً. والمختار التخيير مطلقاً.

﴿ وأمّا البيّنة: فعدلان ذكران ﴾ ولا عبرة بشهادة النساء منفردات ولا منضمّات ولا بالواحد مع اليمين؛ لأنّ متعلّقهما المال وإن عفا المستحقّ على مال. وقيل: يثبت بالشاهد والمرأتين الدية (٢) وهو شاذّ (٣).

﴿ ولتكن الشهادة صافيةً عن الاحتمال، فلو قال: جَرَحه لم يكف حتّى يقول: مات من جرحه ﴾ لأنّ الجرح لا يستلزم الموت مطلقاً.

﴿ ولو قال: أسالَ دمه، تثبت الدامية (٤) ﴾ خاصّة؛ لأنّها المتيقّن من إطلاق اللفظ. ثمّ يبقى الكلام في تعيين الدامية، فإنّ استيفاءها مشروط بتعيين محلّها، فلا يصحّ بدونه.

__________________

(١) وهو أصالة عدم سماع الرجوع بعد الإقرار.

(٢) قاله الشيخ في المبسوط ٨: ١٧٢، ونقله العلّامة عن ابن الجنيد في المختلف ٨: ٤٥٥ ـ ٤٥٦، وقال به أبو الصلاح في الكافي: ٤٣٦، وغيرهم.

(٣) كما نسبه المحقّق أيضاً في الشرائع إلى الشذوذ مع ذهاب أكثر الأصحاب إليه، فراجع المسالك ١٥: ١٧٨.

(٤) هي التي تقطع الجلد وتأخذ اللحم يسيراً.