درس فرائد الاصول - قطع و ظن (فشرده)

جلسه ۸: جلسه ۸

 

في عدم جواز الاحتياط بالتكرار احتمال عدم جوازه واعتبار الاعتقاد التفصيلي في الامتثال.

والحاصل : أنّ الأمر دائر بين تحصيل الاعتقاد التفصيلي ولو كان ظنّا ، وبين تحصيل العلم بتحقّق الإطاعة ولو إجمالا ، فمع قطع النظر عن الدليل الخارجي يكون الثاني مقدّما على الأوّل في مقام الإطاعة ؛ بحكم العقل والعقلاء ، لكن بعد العلم بجواز الأوّل والشكّ في جواز الثاني في الشرعيّات ـ من جهة منع جماعة من الأصحاب عن ذلك وإطلاقهم اعتبار نيّة الوجه (١) ـ فالأحوط ترك ذلك وإن لم يكن واجبا ؛ لأنّ نيّة الوجه لو قلنا باعتباره (٢) فلا نسلّمه إلاّ مع العلم بالوجه أو الظنّ الخاصّ ، لا الظنّ المطلق الذي لم يثبت القائل به جوازه إلاّ بعدم وجوب الاحتياط ، لا بعدم جوازه ، فكيف يعقل تقديمه على الاحتياط؟

لو كان الظنّ ممّا ثبت اعتباره بالخصوص

وأمّا لو كان الظنّ ممّا ثبت اعتباره بالخصوص ، فالظاهر أنّ تقديمه على الاحتياط إذا لم يتوقّف على التكرار مبنيّ على اعتبار قصد الوجه ، وحيث قد رجّحنا في مقامه (٣) عدم اعتبار نيّة الوجه ؛ فالأقوى جواز ترك تحصيل الظنّ والأخذ بالاحتياط. ومن هنا يترجّح القول بصحّة عبادة المقلّد إذا أخذ بالاحتياط وترك التقليد ، إلاّ أنّه خلاف

__________________

(١) كالسيّد ابن زهرة في الغنية : ٥٣ ، والحلّي في السرائر ١ : ٩٨ ، والمحقّق في الشرائع ١ : ٢٠ و ٧٨ ، والعلاّمة في نهاية الإحكام ١ : ٢٩ و ٤٤٧ ، والتذكرة ١ : ١٤٠ ، والمحقّق الثاني في جامع المقاصد ١ : ٢٠١ وغيرهم.

(٢) كذا في النسخ.

(٣) راجع كتاب الصلاة ١ : ٢٦٨ ـ ٢٧٠ ، وكتاب الطهارة ٢ : ٣٩ ـ ٤٥.

الاحتياط ؛ من جهة وجود القول بالمنع من جماعة (١).

وإن توقّف الاحتياط على التكرار فالظاهر ـ أيضا ـ جواز التكرار ، بل أولويّته على الأخذ بالظنّ الخاصّ ؛ لما تقدّم (٢) : من أنّ تحصيل الواقع بطريق العلم ولو إجمالا أولى من تحصيل الاعتقاد الظنّي به ولو كان تفصيلا. وأدلّة الظنون الخاصّة إنّما دلّت على كفايتها عن الواقع ، لا تعيّن (٣) العمل بها في مقام الامتثال.

إلاّ أنّ شبهة اعتبار نيّة الوجه ـ كما هو قول جماعة ، بل المشهور بين المتأخّرين (٤) ـ جعل (٥) الاحتياط في خلاف ذلك ، مضافا إلى ما عرفت من مخالفة التكرار للسيرة المستمرّة.

مع إمكان أن يقال : إنّه إذا شكّ ـ بعد القطع بكون داعي الأمر هو التعبّد بالمأمور به ، لا حصوله بأيّ وجه اتّفق ـ في أنّ الداعي هو التعبّد بإيجاده ولو في ضمن أمرين أو أزيد ، أو التعبّد بخصوصه متميّزا عن غيره ، فالأصل عدم سقوط الغرض الداعي إلاّ بالثاني ، وهذا ليس تقييدا في دليل تلك العبادة حتّى يدفع بإطلاقه ، كما لا يخفى.

وحينئذ : فلا ينبغي ، بل لا يجوز ترك الاحتياط ـ في جميع موارد

__________________

(١) منهم : الشهيد الأوّل في الألفيّة والنفليّة : ٣٩ ، والشهيد الثاني في المقاصد العليّة : ٣٢ ، وروض الجنان : ٢٤٨.

(٢) في الصفحة السابقة.

(٣) كذا في (ر) و (م) ، وفي غيرهما : «تعيين».

(٤) تقدّمت الإشارة إليهم في الصفحة السابقة ، الهامش (١).

(٥) الأنسب : «جعلت» ؛ لأنّ الضمير يعود إلى «شبهة».

إرادة التكرار ـ بتحصيل الواقع أوّلا بظنّه المعتبر ، من التقليد أو الاجتهاد بإعمال الظنون الخاصّة أو المطلقة ، وإتيان الواجب مع نيّة الوجه ، ثمّ الإتيان بالمحتمل الآخر بقصد القربة من جهة الاحتياط.

وتوهّم : أنّ هذا قد يخالف الاحتياط ؛ من جهة احتمال كون الواجب ما أتى به بقصد القربة ، فيكون قد أخلّ فيه بنيّة الوجوب.

مدفوع : بأنّ هذا المقدار من المخالفة للاحتياط ممّا لا بدّ منه ؛ إذ لو أتى به بنيّة الوجوب كان فاسدا قطعا ؛ لعدم وجوبه ظاهرا على المكلّف بعد فرض الإتيان بما وجب عليه في ظنّه المعتبر.

وإن شئت قلت : إنّ نيّة الوجه ساقطة فيما يؤتى به من باب الاحتياط إجماعا حتّى من القائلين باعتبار نيّة الوجه ؛ لأنّ لازم قولهم باعتبار نيّة الوجه في مقام الاحتياط عدم مشروعيّة الاحتياط وكونه لغوا ، ولا أظنّ أحدا يلتزم بذلك عدا السيّد أبي المكارم في ظاهر كلامه في الغنية في ردّ الاستدلال على كون الأمر للوجوب : ب : أنّه أحوط (١) ، وسيأتي ذكره (٢) عند الكلام على الاحتياط في طيّ مقدّمات دليل الانسداد (٣).

__________________

(١) الغنية (الجوامع الفقهيّة) : ٤٦٣.

(٢) انظر الصفحة ٤١٦ ـ ٤١٨.

(٣) لم ترد عبارة «عدا السيّد ـ إلى ـ الانسداد» في (ل) ، ولم نعثر على كلام للسيّد في الموضع الذي أشار إليه المصنّف ، ويؤيّده ما قاله في أوثق الوسائل : «لا يذهب عليك : أنّه لم يتعرّض المصنّف ; عند الكلام على الاحتياط في مقدّمات دليل الانسداد ، للكلام على عدم مشروعيّة الاحتياط ولا لكلام السيّد ، مع إطنابه الكلام ثمّة في وجوب الاحتياط ومنعه» أوثق الوسائل : ٤٤.

[المقام الأوّل](١)

هل تحرم المخالفة القطعيّة للعلم الإجمالي؟

أمّا (٢) المقام الأوّل وهو كفاية العلم الإجمالي في تنجّز التكليف ، واعتباره كالتفصيلي ، فقد عرفت (٣) : أنّ الكلام في اعتباره بمعنى وجوب الموافقة القطعيّة وعدم كفاية الموافقة الاحتماليّة راجع إلى مسألة البراءة والاحتياط ، والمقصود هنا بيان اعتباره في الجملة الذي أقلّ مرتبته (٤) حرمة المخالفة (٥) القطعيّة ، فنقول :

صور العلم الإجمالي

إنّ للعلم الإجمالي صورا كثيرة ؛ لأنّ الإجمال الطارئ :

إمّا من جهة متعلّق الحكم مع تبيّن نفس الحكم تفصيلا ، كما لو شككنا أنّ حكم الوجوب في يوم الجمعة يتعلّق (٦) بالظهر أو الجمعة ، وحكم الحرمة يتعلّق بهذا الموضوع الخارجي من المشتبهين أو بذاك.

وإمّا من جهة نفس الحكم مع تبيّن موضوعه ، كما لو شكّ في أنّ هذا الموضوع المعلوم الكلّي أو الجزئي يتعلّق به الوجوب أو الحرمة.

وإمّا من جهة الحكم والمتعلّق جميعا ، مثل أن نعلم أنّ حكما من

__________________

(١) العنوان منّا.

(٢) في (ظ) و (م) : «وأمّا».

(٣) راجع الصفحة ٧٠.

(٤) كذا في (م) ونسخة بدل (ص) ، وفي غيرهما : «مراتبه».

(٥) في (ظ) و (م) : «مخالفته».

(٦) في (ت) ، (ل) و (ه) : «متعلّق».

الوجوب والتحريم تعلّق بأحد هذين الموضوعين.

ثمّ (١) الاشتباه في كلّ من الثلاثة :

إمّا من جهة الاشتباه في الخطاب الصادر عن الشارع ، كما في مثال الظهر والجمعة.

وإمّا من جهة اشتباه مصاديق متعلّق ذلك الخطاب ، كما في المثال الثاني.

والاشتباه في هذا القسم : إمّا في المكلّف به كما في الشبهة المحصورة ، وإمّا في المكلّف.

وطرفا الشبهة في المكلّف : إمّا أن يكونا احتمالين في مخاطب واحد كما في الخنثى ، وإمّا أن يكونا احتمالين في مخاطبين ، كما في واجدي المني في الثوب المشترك.

العلم الإجمالي الطريقي والموضوعي

ولا بدّ قبل التعرّض لبيان حكم الأقسام من التعرّض لأمرين : الأوّل (٢) : أنّك قد عرفت في أوّل مسألة اعتبار العلم (٣) : أنّ اعتباره قد يكون من باب محض الكشف والطريقيّة ، وقد يكون من باب الموضوعية بجعل الشارع.

والكلام هنا في الأوّل ؛ إذ اعتبار العلم الإجمالي وعدمه في الثاني تابع لدلالة ما دلّ على جعله موضوعا ، فإن دلّ على كون العلم التفصيلي داخلا في الموضوع ـ كما لو فرضنا أنّ الشارع لم يحكم بوجوب

__________________

(١) في (ص) : «ثمّ إنّ».

(٢) كذا في (ظ) ، وفي غيرها : «أحدهما».

(٣) راجع الصفحة ٣٠.

الاجتناب إلاّ عمّا علم تفصيلا نجاسته ـ فلا إشكال في عدم اعتبار العلم الإجمالي بالنجاسة.

إذا تولّد من العلم الإجمالي علم تفصيلي بالحكم الشرعي

الثاني : أنّه إذا تولد من العلم الإجمالي العلم التفصيلي بالحكم الشرعي في مورد ، وجب اتّباعه وحرمت مخالفته ؛ لما تقدّم : من اعتبار العلم التفصيلي من غير تقييد بحصوله من منشأ خاصّ ، فلا فرق بين من علم تفصيلا ببطلان صلاته بالحدث ، أو بواحد مردّد بين الحدث والاستدبار ، أو بين ترك ركن وفعل مبطل ، أو بين فقد شرط من شرائط صلاة نفسه وفقد شرط من شرائط صلاة إمامه ـ بناء على اعتبار وجود شرائط الإمام في علم المأموم ـ ، إلى غير ذلك.

عدم الفرق بين هذا العلم التفصيلي وغيره من العلوم التفصيليّة

وبالجملة : فلا فرق بين هذا العلم التفصيلي وبين غيره من العلوم التفصيليّة.

إلاّ أنّه قد وقع (١) في الشرع موارد توهم خلاف ذلك :

الموارد التي توهم خلاف ذلك

منها : ما حكم به بعض (٢) فيما إذا اختلفت الامّة على قولين ولم يكن مع أحدهما دليل : من أنّه يطرح القولان ويرجع إلى مقتضى الأصل ؛ فإنّ إطلاقه يشمل ما لو علمنا بمخالفة مقتضى الأصل للحكم الواقعي المعلوم وجوده بين القولين ، بل ظاهر كلام الشيخ رحمه‌الله القائل

__________________

(١) في (ت) ومصحّحة (ه) : «ورد».

(٢) لم نقف على من حكم بذلك ، نعم حكاه الشيخ في العدّة ٢ : ٦٣٦ ، والمحقّق في المعارج : ١٣٣ ، وتبعهما صاحبا المعالم والقوانين في المعالم : ١٧٩ ، والقوانين ١ : ٣٨٣ ، وقال المحقّق النراقي : إنّه الظاهر في بادئ النظر ، انظر مناهج الأحكام : ٢٠٤.

بالتخيير (١) : هو التخيير الواقعي المعلوم تفصيلا مخالفته لحكم الله الواقعي في الواقعة.

ومنها : حكم بعض (٢) بجواز ارتكاب كلا المشتبهين في الشبهة المحصورة دفعة أو تدريجا ؛ فإنّه قد يؤدّي إلى العلم التفصيلي بالحرمة أو النجاسة ، كما لو اشترى بالمشتبهين بالميتة جارية ؛ فإنّا نعلم تفصيلا بطلان البيع في تمام الجارية ؛ لكون بعض ثمنها ميتة ، فنعلم تفصيلا بحرمة وطئها ، مع أنّ القائل بجواز الارتكاب لم يظهر من كلامه إخراج هذه الصورة.

ومنها : حكم بعض (٣) بصحّة ائتمام أحد واجدي المني في الثوب المشترك بينهما بالآخر ، مع أنّ المأموم يعلم تفصيلا ببطلان صلاته من جهة حدثه أو حدث إمامه.

ومنها : حكم الحاكم بتنصيف العين التي تداعاها رجلان ، بحيث يعلم صدق أحدهما وكذب الآخر ؛ فإنّ لازم ذلك جواز شراء ثالث للنصفين من كلّ منهما ، مع أنّه يعلم تفصيلا عدم انتقال تمام المال إليه من مالكه الواقعي.

__________________

(١) العدّة ٢ : ٦٣٧.

(٢) هو العلاّمة المجلسي في أربعينه (الصفحة ٥٨٢) ، على ما في القوانين ٢ : ٢٧ ، وسيجيء في مبحث الاشتغال (٢ : ٢٢٥) نسبة ذلك إلى صاحب المدارك ، انظر المدارك ١ : ١٠٨.

(٣) وهو العلاّمة في التذكرة ١ : ٢٢٤ ، ونهاية الإحكام ١ : ١٠١ ، والتحرير ١ : ١٢ ، والسيّد العاملي في المدارك ١ : ٢٧٠.

ومنها : حكمهم فيما (١) لو كان لأحد درهم ولآخر (٢) درهمان ، فتلف أحد الدراهم من عند الودعي : أنّ (٣) لصاحب الاثنين واحدا ونصفا وللآخر نصفا (٤) ؛ فإنّه قد يتّفق إفضاء ذلك إلى مخالفة تفصيلية ، كما لو أخذ الدرهم المشترك بينهما ثالث ، فإنّه يعلم تفصيلا بعدم انتقاله من مالكه الواقعي إليه.

ومنها : ما لو أقرّ بعين لشخص ثمّ أقرّ بها لآخر (٥) ، فإنّه يغرم للثاني قيمة العين بعد دفعها إلى الأوّل ؛ فإنّه قد يؤدّي ذلك إلى اجتماع العين والقيمة عند واحد ويبيعهما (٦) بثمن واحد ، فيعلم عدم انتقال تمام الثمن إليه ؛ لكون بعض مثمنه مال المقرّ في الواقع.

ومنها : الحكم بانفساخ العقد المتنازع في تعيين ثمنه أو مثمنه على وجه يقضى فيه بالتحالف ، كما لو اختلفا في كون المبيع بالثمن المعيّن عبدا أو جارية ؛ فإنّ ردّ الثمن إلى المشتري بعد التحالف مخالف للعلم التفصيلي بصيرورته ملك البائع ثمنا للعبد أو الجارية. وكذا لو اختلفا في كون ثمن الجارية المعيّنة عشرة دنانير أو مائة درهم ؛ فإنّ الحكم بردّ

__________________

(١) في (ظ) ، (ل) و (م) بدل «فيما» : «بأنّه».

(٢) في (ظ) و (م) : «للآخر».

(٣) في (ت) و (ر) : بأنّ.

(٤) كما في الشرائع ٢ : ١٢١ ، ونهاية الإحكام : ٣١٤ ، وقواعد الأحكام ١ : ١٨٦ ، والدروس ٣ : ٣٣٣.

(٥) كذا في (م) ، وفي غيرها : «للآخر».

(٦) في (ظ) و (م) : «بيعهما».

الجارية مخالف للعلم التفصيلي بدخولها في ملك المشتري.

ومنها : حكم بعضهم (١) بأنّه (٢) لو قال أحدهما : بعتك الجارية بمائة ، وقال الآخر : وهبتني إيّاها : أنّهما (٣) يتحالفان وتردّ الجارية إلى صاحبها ، مع أنّا نعلم تفصيلا بانتقالها عن ملك صاحبها إلى الآخر.

إلى غير ذلك من الموارد التي يقف عليها المتتبّع.

الجواب عن الموارد المذكورة

فلا بدّ في هذه الموارد من التزام أحد امور على سبيل منع الخلوّ :

الأوّل (٤) : كون العلم التفصيلي في كلّ من أطراف الشبهة موضوعا للحكم ، بأن يقال : إنّ الواجب الاجتناب عمّا علم كونه بالخصوص بولا ، فالمشتبهان طاهران في الواقع. وكذا المانع للصلاة الحدث المعلوم صدوره تفصيلا من مكلّف خاصّ ، فالمأموم والإمام متطهّران في الواقع.

الثاني : أنّ الحكم الظاهري في حقّ كلّ أحد نافذ واقعا في حقّ الآخر ، بأن يقال : إنّ من كانت صلاته بحسب الظاهر صحيحة عند نفسه ، فللآخر أن يرتّب عليها آثار الصحّة الواقعيّة ، فيجوز له الائتمام به (٥). وكذا من حلّ له أخذ الدار ممّن وصل إليه نصفه ، إذا لم يعلم

__________________

(١) في (ر) ، (ص) و (ل) بدل «حكم بعضهم» : «الحكم». انظر التذكرة ١ : ٥٧٦ ، وجامع المقاصد ٤ : ٤٥٣ ، ومفتاح الكرامة ٤ : ٧٦٦.

(٢) في (ت) و (ه) بدل «بأنّه» : «فيما».

(٣) في (ت) ومصحّحة (ه) : «بأنّهما».

(٤) كذا في (ظ) ، وفي غيرها : «أحدها».

(٥) لم ترد «به» في غير (ت) ، (ر) و (ه).

كذبه في الدعوى ـ بأن استند إلى بيّنة ، أو إقرار ، أو اعتقاد من القرائن ـ فإنّه يملك هذا النصف في الواقع ، وكذلك إذا اشترى النصف الآخر ، فيثبت ملكه للنصفين في الواقع. وكذا الأخذ ممّن وصل إليه نصف الدرهم في مسألة الصلح ، و (١) مسألتي التحالف.

الثالث : أن يلتزم :

بتقييد الأحكام المذكورة بما إذا لم يفض إلى العلم التفصيلي بالمخالفة ، والمنع ممّا يستلزم المخالفة المعلومة تفصيلا ، كمسألة اختلاف الامّة على قولين.

وحمل أخذ المبيع في مسألتي التحالف على كونه تقاصّا شرعيا قهريّا عمّا يدّعيه من الثمن ، أو انفساخ البيع بالتحالف من أصله ، أو من حينه.

وكون أخذ نصف الدرهم مصالحة قهريّة.

وعليك بالتأمّل في دفع الإشكال عن كلّ مورد بأحد الامور المذكورة ؛ فإنّ اعتبار العلم التفصيلي بالحكم الواقعي وحرمة مخالفته ممّا لا يقبل التخصيص بإجماع أو نحوه.

أقسام مخالفة العلم الإجمالي

إذا عرفت هذا ، فلنعد إلى حكم مخالفة العلم الإجمالي ، فنقول :

مخالفة الحكم المعلوم بالإجمال يتصوّر على وجهين :

الأوّل (٢) : مخالفته من حيث الالتزام ، كالالتزام بإباحة وطء المرأة المردّدة بين من حرم وطؤها بالحلف ومن وجب وطؤها به مع اتّحاد

__________________

(١) في (ت) و (ه) زيادة : «كذا في».

(٢) كذا في (ظ) ، وفي غيرها : «أحدهما».

زماني الوجوب والحرمة ، وكالالتزام بإباحة موضوع كليّ مردّد أمره بين الوجوب والتحريم مع عدم كون أحدهما المعيّن تعبّديا يعتبر فيه قصد الامتثال ؛ فإنّ المخالفة في المثالين ليست (١) من حيث العمل ؛ لأنّه لا يخلو من الفعل الموافق للوجوب والترك الموافق للحرمة ، فلا قطع بالمخالفة إلاّ من حيث الالتزام بإباحة الفعل.

الثاني : مخالفته من حيث العمل ، كترك الأمرين اللذين يعلم بوجوب أحدهما ، وارتكاب فعلين يعلم بحرمة أحدهما ، فإنّ المخالفة هنا من حيث العمل.

وبعد ذلك ، نقول (٢) :

جواز المخالفة الالتزاميّة للعلم الإجمالي

أمّا المخالفة الغير العمليّة ، فالظاهر جوازها في الشبهة الموضوعيّة والحكمية معا ، سواء كان الاشتباه والترديد بين حكمين لموضوع واحد كالمثالين المتقدّمين ، أو بين حكمين لموضوعين ، كطهارة البدن وبقاء الحدث لمن توضّأ غفلة بمائع مردّد بين الماء والبول.

أمّا في الشبهة الموضوعيّة ؛ فلأنّ الأصل في الشبهة الموضوعيّة إنّما يخرج مجراه عن موضوع التكليفين ، فيقال : الأصل عدم تعلّق الحلف بوطء هذه وعدم تعلّق الحلف بترك وطئها ، فتخرج المرأة بذلك عن موضوع حكمي التحريم والوجوب ، فيحكم (٣) بالإباحة ؛ لأجل الخروج عن موضوع الوجوب والحرمة ، لا لأجل طرحهما. وكذا الكلام في

__________________

(١) كذا في (ت) ، وفي غيرها : «ليس».

(٢) في غير (ت) و (ه) : «فنقول».

(٣) في (ت) ، (ص) ، (ل) و (ه) : «فنحكم».

الحكم بطهارة البدن وبقاء الحدث في الوضوء بالمائع المردّد.

وأمّا الشبهة الحكميّة ؛ فلأنّ الاصول الجارية فيها وإن لم تخرج مجراها عن موضوع الحكم الواقعي ، بل كانت منافية لنفس الحكم (١) ـ كأصالة الإباحة مع العلم بالوجوب أو الحرمة ؛ فإنّ الاصول في هذه منافية لنفس الحكم الواقعي المعلوم إجمالا ، لا مخرجة عن موضوعه ـ إلاّ أنّ الحكم الواقعي المعلوم إجمالا لا يترتّب عليه أثر إلاّ وجوب الإطاعة وحرمة المعصية (٢) ، والمفروض أنّه لا يلزم من إعمال الاصول مخالفة عمليّة له ليتحقّق المعصية.

ووجوب الالتزام بالحكم الواقعي مع قطع النظر عن العمل غير ثابت ؛ لأنّ الالتزام بالأحكام الفرعيّة إنّما يجب مقدّمة للعمل ، وليست كالاصول الاعتقادية يطلب فيها الالتزام والاعتقاد من حيث الذات.

ولو فرض ثبوت الدليل ـ عقلا أو نقلا ـ على وجوب الالتزام بحكم الله الواقعي ، لم ينفع ؛ لأنّ (٣) الاصول تحكم في مجاريها بانتفاء الحكم الواقعي ، فهي ـ كالاصول في الشبهة الموضوعيّة ـ مخرجة لمجاريها عن موضوع ذلك الحكم ، أعني وجوب الأخذ (٤) بحكم الله.

__________________

(١) في (ظ) و (م) زيادة : «الواقعي».

(٢) في (ظ) و (ه) ونسخة بدل (ص) : «وجوب الموافقة وحرمة المخالفة».

(٣) وردت في (ل) و (م) بدل عبارة «... الواقعي لم ينفع لأنّ» عبارة : «... الواقعي إلاّ أنّ» ، نعم وردت العبارة في نسخة بدل (م) كما في المتن.

(٤) في نسخة بدل (ص) بدل «الأخذ» : «الالتزام».