درس فرائد الاصول - قطع و ظن (فشرده)

جلسه ۱۲: جلسه ۱۲

 

حكم الشارع بوجوب البناء على كون مؤدّاها هو الواقع ، نعم هذه ليست أحكاما فعليّة بمجرّد وجودها الواقعي.

وتلخّص من جميع ما ذكرنا : أنّ ما ذكره ابن قبة ـ من استحالة التعبّد بخبر الواحد أو بمطلق الأمارة الغير العلميّة ـ ممنوع على إطلاقه ، وإنّما يقبح (١) إذا ورد التعبّد على بعض الوجوه ، كما تقدّم تفصيل ذلك.

القول بوجوب التعبّد بالأمارة والمناقشة فيه

ثمّ إنّه ربما ينسب إلى بعض (٢) : إيجاب التعبّد بخبر الواحد أو مطلق الأمارة على الله تعالى ، بمعنى قبح تركه منه ، في مقابل قول ابن قبة.

فإن أراد (٣) به وجوب إمضاء حكم العقل بالعمل به عند عدم التمكّن من العلم وبقاء التكليف ، فحسن.

وإن أراد (٤) وجوب الجعل بالخصوص في حال الانسداد ، فممنوع ؛ إذ جعل الطريق بعد انسداد باب العلم إنّما يجب عليه إذا لم يكن هناك طريق عقليّ وهو الظنّ ، إلاّ أن يكون لبعض الظنون في نظره خصوصيّة (٥).

وإن أراد حكم صورة الانفتاح :

__________________

(١) في (ص) و (ظ) : «يصحّ» ، وفي غيرهما ونسخة بدل (ص) ما أثبتناه.

(٢) حكي هذا المذهب عن ابن سريج وغيره ، انظر العدّة ١ : ٩٨ ، والمعتمد للبصري ٢ : ١٠٦ ، والإحكام للآمدي ٢ : ٦٥.

(٣) في (ر) ، (ظ) ، (ل) و (م) : «اريد».

(٤) في (ظ) و (م) : «اريد».

(٥) لم ترد «إلاّ أن ـ إلى ـ خصوصيّة» في (ظ) ، (ل) و (م).

فإن أراد وجوب التعبّد العينيّ فهو غلط ؛ لجواز تحصيل العلم معه قطعا.

وإن أراد وجوب التعبّد به تخييرا ، فهو ممّا لا يدركه العقل ؛ إذ لا يعلم العقل بوجود مصلحة في الأمارة يتدارك بها مصلحة الواقع التي تفوت بالعمل بالأمارة.

اللهمّ إلاّ أن يكون في تحصيل العلم حرج يلزم في العقل رفع إيجابه بنصب أمارة هي أقرب من غيرها إلى الواقع أو أصحّ في نظر الشارع من غيره في مقام البدليّة عن الواقع ، وإلاّ فيكفي إمضاؤه للعمل بمطلق الظنّ كصورة الانسداد (١).

__________________

(١) لم ترد في (ظ) و (م) : «وإلاّ فيكفي ـ إلى ـ الانسداد» ، ولم ترد في (ل) : «عن الواقع ـ إلى ـ الانسداد» ، وفي (ه) زيادة : «أو في الجملة».

[المقام الثاني](١)

في وقوع التعبّد بالظنّ

ثمّ إذا تبيّن عدم استحالة تعبّد الشارع بغير العلم ، وعدم القبح فيه ولا في تركه ، فيقع الكلام في المقام الثاني (٢) في وقوع التعبّد به في الأحكام الشرعيّة مطلقا ، أو في الجملة.

وقبل الخوض في ذلك ، لا بدّ من تأسيس الأصل الذي يكون عليه المعوّل عند عدم الدليل على وقوع التعبّد بغير العلم مطلقا أو في الجملة ، فنقول :

أصالة حرمة العمل بالظنّ للأدلّة الأربعة

التعبّد بالظنّ الذي لم يدلّ على التعبّد به دليل ، محرّم بالأدلّة الأربعة.

ويكفي من الكتاب : قوله تعالى : ﴿قُلْ آللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ﴾(٣).

دلّ على أنّ ما ليس بإذن من الله من إسناد الحكم إلى الشارع ، فهو افتراء.

__________________

(١) العنوان منّا.

(٢) تقدّم الكلام في المقام الأول في الصفحة ١٠٥.

(٣) يونس : ٥٩.

ومن السنّة : قوله عليه‌السلام في عداد القضاة من أهل النار : «ورجل قضى بالحقّ وهو لا يعلم» (١).

ومن الإجماع : ما ادّعاه الفريد البهبهاني في بعض رسائله : من كون عدم الجواز بديهيّا عند العوامّ فضلا عن العلماء (٢).

ومن العقل : تقبيح العقلاء من يتكلّف من قبل مولاه بما لا يعلم بوروده عن المولى ولو كان جاهلا (٣) مع التقصير.

نعم ، قد يتوهّم متوهّم : أنّ الاحتياط من هذا القبيل.

وهو غلط واضح ؛ إذ فرق بين الالتزام بشيء من قبل المولى على أنّه منه مع عدم العلم بأنّه منه ، وبين الالتزام بإتيانه لاحتمال كونه منه أو رجاء كونه منه ، وشتّان ما بينهما ؛ لأنّ العقل يستقلّ بقبح الأوّل وحسن الثاني.

والحاصل : أنّ المحرّم هو العمل بغير العلم متعبّدا به ومتديّنا به ، وأمّا العمل به من دون تعبّد بمقتضاه :

فإن كان لرجاء إدراك الواقع ، فهو حسن ما لم يعارضه احتياط آخر ولم يثبت من دليل آخر وجوب العمل على خلافه ، كما لو ظنّ الوجوب واقتضى الاستصحاب الحرمة ؛ فإنّ الإتيان بالفعل محرّم وإن لم يكن على وجه التعبّد بوجوبه والتديّن به.

وإن لم يكن لرجاء إدراك الواقع :

__________________

(١) الوسائل ١٨ : ١١ ، الباب ٤ من أبواب صفات القاضي ، الحديث ٦.

(٢) انظر الرسائل الاصوليّة : ١٢.

(٣) كذا في (ظ) ، (ل) ، (م) ، (ه) ونسخة بدل (ت) ، وفي غيرها : «عن جهل».

فإن لزم منه طرح أصل دلّ الدليل على وجوب الأخذ به حتّى يعلم خلافه ، كان محرّما أيضا ؛ لأنّ فيه طرحا للأصل الواجب العمل ، كما فيما ذكر من مثال كون الظنّ بالوجوب على خلاف استصحاب التحريم.

وإن لم يلزم منه ذلك جاز العمل ، كما لو ظنّ بوجوب ما تردّد بين الحرمة والوجوب ، فإنّ الالتزام بطرف الوجوب لا على أنّه حكم الله المعيّن جائز. لكن في تسمية هذا عملا بالظنّ مسامحة ، وكذا في تسمية الأخذ به من باب الاحتياط.

وبالجملة : فالعمل بالظنّ إذا لم يصادف الاحتياط محرّم إذا وقع على وجه التعبّد به والتديّن ، سواء استلزم طرح الأصل أو الدليل الموجود في مقابله أم لا ، وإذا وقع على غير وجه التعبّد به فهو محرّم إذا استلزم طرح ما يقابله من الاصول والأدلّة المعلوم وجوب العمل بها (١).

تقرير هذا الأصل بوجوه أخر والمناقشة فيها

هذا ، وقد يقرّر الأصل هنا بوجوه أخر :

منها : أنّ الأصل عدم الحجّية ، وعدم وقوع التعبّد به وإيجاب العمل به.

وفيه : أنّ الأصل وإن كان ذلك ، إلاّ أنّه لا يترتّب على مقتضاه شيء ؛ فإنّ حرمة العمل (٢) يكفي في موضوعها عدم العلم بورود التعبّد ،

__________________

(١) لم ترد في (ه) : «المعلوم وجوب العمل بها» ، وشطب عليها في (ت) ، ووردت بدلها فيهما : «الموجودة في مورده» ، وفي هامش (ص) : «الموجودة في مورده ، خ».

(٢) في (ر) و (ص) زيادة : «بالظنّ» ، وشطب عليها في (ت).

من غير حاجة إلى إحراز عدم ورود التعبّد به ليحتاج في ذلك إلى الأصل ، ثمّ إثبات الحرمة.

والحاصل : أنّ أصالة عدم الحادث إنّما يحتاج إليها في الأحكام المترتّبة على عدم ذلك الحادث ، وأمّا الحكم المترتّب على عدم العلم بذلك الحادث فيكفي فيه الشكّ فيه ، ولا يحتاج إلى إحراز عدمه بحكم الأصل.

وهذا نظير قاعدة الاشتغال الحاكمة بوجوب اليقين بالفراغ ؛ فإنّه لا يحتاج في إجرائها إلى إجراء أصالة عدم فراغ الذمّة ، بل يكفي فيها عدم العلم بالفراغ ، فافهم.

الوجه الثاني والناقشة فیه

ومنها : أنّ الأصل هي إباحة العمل بالظنّ ؛ لأنّها الأصل في الأشياء ، حكاه بعض عن السيّد المحقّق الكاظمي (١).

وفيه ـ على تقدير صدق النسبة ـ :

أوّلا : أنّ إباحة التعبّد بالظنّ غير معقول ؛ إذ لا معنى لجواز التعبّد وتركه لا إلى بدل ، غاية الأمر التخيير بين التعبّد بالظنّ والتعبّد بالأصل أو الدليل الموجود هناك (٢) في مقابله (٣) الذي يتعيّن الرجوع إليه لو لا الظنّ ، فغاية الأمر وجوب التعبّد به أو بالظنّ تخييرا ، فلا معنى للإباحة التي هي الأصل في الأشياء.

__________________

(١) حكاه عنه السيّد المجاهد في مفاتيح الاصول : ٤٥٢ ، وانظر الوافي للمحقّق الكاظمي (مخطوط) : الورقة ٢٩.

(٢) لم ترد «هناك» في (ل) ، وردت بدلها في (ت) ، (ظ) ، (م) و (ه) : «هنالك».

(٣) لم ترد «في مقابله» في (ظ) و (م) ، وكتب عليها في (ت) : «زائد».