درس فرائد الاصول - قطع و ظن

جلسه ۱۳۷: اجماع منقول ۲۲

 

مع أنّ علماء العصر إذا كثروا ـ كما في الأعصار السابقة ـ يتعذّر أو يتعسّر الاطّلاع عليهم حسّا بحيث يقطع بعدم من سواهم في العصر ، إلاّ إذا كان العلماء في عصر قليلين يمكن الإحاطة برأيهم في المسألة فيدّعى الإجماع ، إلاّ أنّ مثل هذا الأمر المحسوس لا يستلزم عادة لموافقة المعصوم عليه‌السلام.

فالمحسوس المستلزم عادة لقول الإمام عليه‌السلام مستحيل التحقّق للناقل ، والممكن المتحقّق له غير مستلزم عادة.

محامل دعوى إجماع الكلّ

وكيف كان : فإذا ادّعى الناقل الإجماع خصوصا إذا كان ظاهره اتّفاق جميع علماء الأعصار أو أكثرهم إلاّ من شذّ ـ كما هو الغالب في إجماعات مثل الفاضلين والشهيدين ـ انحصر محمله في وجوه :

١- أن يراد اتّفاق المعروفين

أحدها : أن يراد به اتّفاق المعروفين بالفتوى ، دون كل قابل للفتوى من أهل عصره أو مطلقا.

٢- أن يستفاد إجماع الكلّ من اتّفاق المعروفين

الثاني : أن يريد إجماع الكلّ ، ويستفيد ذلك من اتّفاق المعروفين من أهل عصره.

وهذه الاستفادة ليست ضروريّة وإن كانت قد تحصل ؛ لأنّ اتّفاق أهل عصره ـ فضلا عن المعروفين منهم ـ لا يستلزم عادة اتّفاق غيرهم ومن قبلهم ، خصوصا بعد ملاحظة التخلّف في كثير من الموارد لا يسع هذه الرسالة لذكر معشارها. ولو فرض حصوله للمخبر كان من باب الحدس الحاصل عمّا لا يوجب العلم عادة. نعم هي (١) أمارة ظنّية على ذلك ؛ لأنّ الغالب في الاتّفاقيّات عند أهل عصر كونه من الاتّفاقيّات

__________________

(١) في (ه) : «هو».

عند من تقدّمهم. وقد يحصل العلم بضميمة أمارات أخر ، لكنّ الكلام في كون الاتّفاق مستندا إلى الحسّ أو إلى حدس لازم عادة للحسّ.

والحق بذلك : ما إذا علم اتّفاق الكلّ من اتّفاق جماعة لحسن ظنّه بهم ، كما ذكره (١) في أوائل المعتبر ، حيث قال : «ومن المقلّدة من لو طالبته بدليل المسألة ادّعى الإجماع ؛ لوجوده في كتب الثلاثة قدّست أسرارهم ، وهو جهل إن لم يكن تجاهلا» (٢).

فإنّ في توصيف المدّعي بكونه مقلّدا مع أنّا نعلم أنّه لا يدّعي الإجماع إلاّ عن علم ، إشارة إلى استناده في دعواه إلى حسن الظنّ بهم وأنّ جزمه في غير محلّه (٣) ، فافهم.

٣ -أن يستفاد إجماع الكلُ من اتّفاقهم على أمرٍ من الاُمور

الثالث : أن يستفيد اتّفاق الكلّ على الفتوى من اتّفاقهم على العمل بالأصل عند عدم الدليل ، أو بعموم دليل عند عدم وجدان المخصّص ، أو بخبر معتبر عند عدم وجدان المعارض ، أو اتّفاقهم على مسألة اصوليّة ـ نقليّة أو عقليّة ـ يستلزم القول بها الحكم (٤) في المسألة المفروضة ، وغير ذلك من الامور المتّفق عليها التي يلزم باعتقاد المدّعي من القول بها ـ مع فرض عدم المعارض ـ القول بالحكم المعيّن في المسألة.

ومن المعلوم : أنّ نسبة هذا الحكم إلى العلماء في مثل ذلك

__________________

(١) في (ه) : كما ذكر.

(٢) المعتبر ١ : ٦٢.

(٣) لم ترد عبارة «وأنّ جزمه في غير محلّه» في (م).

(٤) في (ظ) و (م) : «لحكم».

لم تنشأ (١) إلاّ من مقدّمتين أثبتهما المدّعي باجتهاده :

إحداهما : كون ذلك الأمر المتّفق عليه مقتضيا ودليلا للحكم لو لا المانع.

والثانية : انتفاء المانع والمعارض. ومن المعلوم أنّ الاستناد إلى الخبر المستند إلى ذلك غير جائز عند أحد من العاملين بخبر الواحد.

ثمّ إنّ الظاهر أنّ الإجماعات المتعارضة من شخص واحد أو من معاصرين أو متقاربي العصر (٢) ، ورجوع المدّعي عن الفتوى التي ادّعى الإجماع فيها ، ودعوى الإجماع في مسائل غير معنونة في كلام من تقدّم على المدّعي ، وفي مسائل قد اشتهر خلافها بعد المدّعي بل في زمانه بل في ما قبله ، كلّ ذلك مبنيّ على الاستناد في نسبة القول إلى العلماء على هذا الوجه.

ذكر موارد تدلّ على الوجه الأخير

ولا بأس بذكر بعض موارد (٣) صرّح المدّعي بنفسه أو غيره في مقام توجيه كلامه فيها بذلك.

فمن ذلك : ما وجّه المحقّق به دعوى المرتضى (٤) والمفيد (٥) ـ أنّ من مذهبنا جواز إزالة النجاسة بغير الماء من المائعات ـ قال :

__________________

(١) في (ت) ، (ر) ، (ص) و (ل) : «لا تنشأ».

(٢) كذا في (ت) و (ه) ، وفي غيرهما : «العصرين».

(٣) في (ت) ، (ر) و (ه) : «الموارد».

(٤) الخلاف أو مسائل الخلاف من مصنّفات السيّد المرتضى ، وهي مفقودة.

(٥) مسائل الخلاف من مصنّفات الشيخ المفيد ، وهي مفقودة أيضا.