درس فرائد الاصول - قطع و ظن

جلسه ۱۶۶: حجیت خبر واحد ۶

 

وأمّا أخبار العرض على الكتاب ، فهي وإن كانت متواترة بالمعنى إلاّ أنّها بين طائفتين :

إحداهما : ما دلّ على طرح الخبر الذي يخالف الكتاب.

والثانية : ما دلّ على طرح الخبر الذي لا يوافق الكتاب.

٣ - ما دلّ على طرح ما يخالف الكتاب

أمّا الطائفة الاولى ، فلا تدلّ على المنع عن الخبر الذي لا يوجد مضمونه (١) في الكتاب والسنّة.

فإن قلت : ما من واقعة إلاّ ويمكن استفادة حكمها من عمومات الكتاب المقتصر في تخصيصها على السنّة القطعيّة ، مثل قوله تعالى : ﴿خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً﴾(٢) ، وقوله تعالى : ﴿إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ ...﴾ الخ (٣) ، و (فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيِّباً﴾(٤) ، و (يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾(٥) ، ونحو ذلك ، فالأخبار المخصّصة لها ـ كلّها ـ ولكثير (٦) من عمومات السنّة القطعيّة مخالفة للكتاب والسنّة (٧).

قلت :

مخالفة ظاهر العموم لا يعدّ مخالفة

أوّلا : إنّه لا يعدّ مخالفة ظاهر العموم ـ خصوصا مثل هذه

__________________

(١) لم ترد «مضمونه» في (ظ) و (م).

(٢) البقرة : ٢٩.

(٣) البقرة : ١٧٣.

(٤) الأنفال : ٦٩.

(٥) البقرة : ١٨٥.

(٦) في (ص) ، (ظ) ، (ل) و (م) : «كثير».

(٧) لم ترد «والسنّة» في (ظ) ، (ل) و (م).

العمومات ـ ، مخالفة ؛ وإلاّ لعدّت الأخبار الصادرة يقينا عن الأئمّة عليهم‌السلام المخالفة لعمومات الكتاب والسنّة النبويّة ، مخالفة للكتاب والسنّة ، غاية الأمر ثبوت الأخذ بها مع مخالفتها لكتاب الله وسنّة نبيّه صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فتخرج عن عموم أخبار العرض ، مع أنّ الناظر في أخبار العرض على الكتاب والسنّة يقطع بأنّها تأبى عن التخصيص.

وكيف يرتكب التخصيص في قوله عليه‌السلام : «كلّ حديث لا يوافق كتاب الله فهو زخرف» (١) ، وقوله : «ما أتاكم من حديث لا يوافق كتاب الله فهو باطل» (٢) ، وقوله عليه‌السلام : «لا تقبلوا علينا خلاف القرآن ؛ فإنّا إن حدّثنا حدّثنا بموافقة القرآن وموافقة السنّة» (٣) ، وقد صحّ عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال : «ما خالف كتاب الله فليس من حديثي (٤) ، أو لم أقله» (٥) ، مع أنّ أكثر عمومات الكتاب قد خصّص بقول النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله؟

وممّا يدلّ على أنّ المخالفة لتلك العمومات لا تعدّ مخالفة : ما دلّ من الأخبار على بيان حكم ما لا يوجد حكمه في الكتاب والسنّة النبويّة ؛ إذ بناء على تلك العمومات لا يوجد واقعة لا يوجد حكمها فيهما.

فمن تلك الأخبار : ما عن البصائر والاحتجاج وغيرهما (٦)

__________________

(١) تقدّم الحديثان في الصفحة ٢٤٤.

(٢) تقدّم الحديثان في الصفحة ٢٤٤.

(٣) البحار ٢ : ٢٥٠ ، ضمن الحديث ٦٢.

(٤) البحار ٢ : ٢٢٧ ، الحديث ٥.

(٥) الوسائل ١٨ : ٧٩ ، الباب ٩ من أبواب صفات القاضي ، الحديث ١٥.

(٦) كما في معاني الأخبار ١ : ١٥٦.

مرسلا (١) عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، أنّه قال :

«ما وجدتم في كتاب الله فالعمل به لازم و (٢) لا عذر لكم في تركه ، وما لم يكن في كتاب الله تعالى وكانت فيه سنّة منّي فلا عذر لكم في ترك سنّتي (٣) ، وما لم يكن فيه سنّة منّي ، فما قال أصحابي فقولوا به ؛ فإنّما مثل أصحابي فيكم كمثل النجوم ، بأيّها اخذ اهتدي ، وبأيّ أقاويل أصحابي أخذتم اهتديتم ، واختلاف أصحابي رحمة لكم ، قيل : يا رسول الله ، ومن أصحابك؟ قال : أهل بيتي ... الخبر» (٤).

فإنّه صريح في أنّه قد يرد من الأئمّة عليهم‌السلام ما لا يوجد في الكتاب والسنّة.

ومنها : ما ورد في تعارض الروايتين : من ردّ ما لا يوجد في الكتاب والسنّة إلى الأئمّة عليهم‌السلام.

مثل : ما رواه في العيون عن ابن الوليد ، عن سعد بن عبد الله ، عن محمّد بن عبد الله المسمعي ، عن الميثميّ ، وفيها :

«فما ورد عليكم من خبرين مختلفين فاعرضوهما على كتاب الله» ـ إلى أن قال : ـ «وما لم يكن في الكتاب فاعرضوه (٥) على سنن

__________________

(١) في غير (م) : «مرسلة».

(٢) لم ترد «و» في (ظ) والبصائر.

(٣) كذا في المصدر ، وفي جميع النسخ إلاّ (ظ) بدل «سنّتي» : «شيء» ، وفي (ص) زيادة : «منه».

(٤) بصائر الدرجات ١ : ١١ ، الحديث ٢ ، والاحتجاج ٢ : ١٠٥.

(٥) كذا في المصدر ، وفي جميع النسخ : «فاعرضوهما».

رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله» ـ إلى أن قال : ـ «وما لم تجدوه (١) في شيء من هذه فردّوا إلينا علمه ، فنحن أولى بذلك ... الخبر» (٢).

والحاصل : أنّ القرائن الدالّة على أنّ المراد بمخالفة الكتاب ليس مجرّد مخالفة عمومه أو إطلاقه كثيرة ، تظهر لمن له أدنى تتبّع.

ومن هنا يظهر : ضعف التأمّل في تخصيص الكتاب بخبر الواحد لتلك الأخبار ، بل منعه لأجلها كما عن الشيخ في العدّة (٣). أو لما ذكره المحقّق : من أنّ الدليل على وجوب العمل بخبر الواحد الإجماع على استعماله فيما لا يوجد فيه دلالة ، ومع الدلالة القرآنيّة يسقط وجوب العمل به (٤).

وثانيا : إنّا نتكلّم في الأحكام التي لم يرد فيها عموم من القرآن والسنّة ، ككثير من أحكام المعاملات بل العبادات التي لم ترد فيها إلاّ آيات مجملة أو مطلقة من الكتاب ؛ إذ لو سلّمنا أنّ تخصيص العموم يعدّ مخالفة ، أمّا تقييد المطلق فلا يعدّ في العرف مخالفة ، بل هو مفسّر ، خصوصا على المختار : من عدم كون المطلق مجازا عند التقييد (٥).

فإن قلت : فعلى أيّ شيء تحمل تلك الأخبار الكثيرة الآمرة

__________________

(١) كذا في المصدر ، وفي جميع النسخ : «وما لم تجدوا».

(٢) عيون أخبار الرضا عليه‌السلام ٢ : ٢١ ، ضمن الحديث ٤٥ ، والوسائل ١٨ : ٨٢ ، الباب ٩ من أبواب صفات القاضي ، ضمن الحديث ٢١.

(٣) العدّة ١ : ١٤٥.

(٤) المعارج : ٩٦.

(٥) انظر مطارح الأنظار : ٢١٦.