درس فرائد الاصول - قطع و ظن

جلسه ۱۸۸: حجیت خبر واحد ۲۸

 

الآية الثانية : آية «النفر»

ومن جملة الآيات : قوله تعالى في سورة براءة :

﴿فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾(١).

وجه الاستدلال بها

دلّت على وجوب الحذر عند إنذار المنذرين ، من دون اعتبار إفادة خبرهم العلم لتواتر أو قرينة ، فيثبت وجوب العمل بخبر الواحد.

أمّا وجوب الحذر ، فمن وجهين :

أحدهما : أنّ لفظة «لعلّ» بعد انسلاخها عن معنى الترجّي ظاهرة في كون مدخولها محبوبا للمتكلّم ، وإذا تحقّق حسن الحذر ثبت وجوبه ؛ إمّا لما ذكره في المعالم : من أنّه لا معنى لندب الحذر ؛ إذ مع قيام المقتضي يجب ومع عدمه لا يحسن (٢) ، وإمّا لأنّ رجحان العمل بخبر الواحد مستلزم لوجوبه بالإجماع المركّب ؛ لأنّ كلّ من أجازه فقد أوجبه.

الثاني : أنّ ظاهر الآية وجوب الإنذار ؛ لوقوعه غاية للنفر الواجب بمقتضى كلمة «لو لا» ، فإذا وجب الإنذار أفاد وجوب الحذر لوجهين :

أحدهما : وقوعه غاية للواجب ؛ فإنّ الغاية المترتّبة على فعل الواجب ممّا لا يرضى الآمر بانتفائه ، سواء كان من الأفعال المتعلّقة للتكليف أم لا ، كما في قولك : «تب لعلّك تفلح» ، و «أسلم لعلّك تدخل الجنّة» ، وقوله تعالى : ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى﴾(٣).

__________________

(١) التوبة : ١٢٢.

(٢) المعالم : ٤٧.

(٣) طه : ٤٤.

الثاني : أنّه إذا وجب الإنذار ثبت وجوب القبول ؛ وإلاّ لغى الإنذار.

ونظير ذلك : ما تمسّك به في المسالك على وجوب قبول قول المرأة وتصديقها في العدّة ، من قوله تعالى : ﴿وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحامِهِنَ﴾(١) ، فاستدلّ بتحريم الكتمان ووجوب الإظهار عليهنّ ، على قبول قولهنّ بالنسبة إلى ما في الأرحام (٢).

فإن قلت : المراد بالنفر النفر إلى الجهاد ، كما يظهر من صدر الآية وهو قوله تعالى : ﴿وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً ،﴾ ومن المعلوم أنّ النفر إلى الجهاد ليس للتفقّه والإنذار.

نعم ربما يترتّبان عليه ، بناء على ما قيل (٣) : من أنّ المراد حصول البصيرة في الدين من مشاهدة آيات الله وظهور أوليائه على أعدائه وسائر ما يتّفق في حرب المسلمين مع الكفّار من آيات عظمة الله وحكمته ، فيخبروا بذلك عند رجوعهم (٤) الفرقة المتخلّفة الباقية في المدينة ؛ فالتفقّه والإنذار من قبيل الفائدة ، لا الغاية حتّى تجب بوجوب ذيها.

قلت :

__________________

(١) البقرة : ٢٢٨.

(٢) المسالك ٩ : ١٩٤.

(٣) قاله الحسن وأبو مسلم ، انظر تفسير التبيان ٥ : ٣٢١ ، ومجمع البيان ٣ : ٨٣ ـ ٨٤.

(٤) في (ر) ، (ص) و (ه) زيادة : «إلى» ، وشطب عليه في (ت).