درس فرائد الاصول - قطع و ظن

جلسه ۲۰۰: حجیت خبر واحد ۴۰

 

الأوّل ، فهو الذي يقتضيه أدلّة حمل فعل المسلم على الصحيح والأحسن ، وهو ظاهر الأخبار الواردة في : أنّ من حقّ المؤمن على المؤمن أن يصدّقه ولا يتّهمه (١) ، خصوصا مثل قوله عليه‌السلام : «يا أبا محمّد ، كذّب سمعك وبصرك عن أخيك ، فإن شهد عندك خمسون قسامة : أنّه قال قولا ، وقال : لم أقله ، فصدّقه وكذّبهم ... الخبر» (٢).

فإنّ تكذيب القسامة مع كونهم أيضا مؤمنين ، لا يراد منه إلاّ عدم ترتيب آثار الواقع على كلامهم ، لا ما يقابل تصديق المشهود عليه ؛ فإنّه ترجيح بلا مرجّح ، بل ترجيح المرجوح.

نعم ، خرج من ذلك مواضع (٣) وجوب قبول شهادة المؤمن على المؤمن وإن أنكر المشهود عليه.

وأنت إذا تأمّلت هذه الرواية ولاحظتها مع الرواية المتقدّمة (٤) في حكاية إسماعيل ، لم يكن لك بدّ من حمل التصديق على ما ذكرنا.

وإن أبيت إلاّ عن ظهور خبر إسماعيل في وجوب التصديق بمعنى ترتيب آثار الواقع ، فنقول : إنّ الاستعانة بها على دلالة الآية خروج عن الاستدلال بالكتاب إلى السنّة ، والمقصود هو الأوّل. غاية الأمر كون هذه الرواية في عداد الروايات الآتية (٥) إن شاء الله تعالى.

__________________

(١) يأتي بعضها في مبحث الاستصحاب ٣ : ٣٤٦ ـ ٣٤٧.

(٢) الوسائل ٨ : ٦٠٩ ، الباب ١٥٧ من أحكام العشرة ، الحديث ٤. وفيه : «يا محمّد» ، كما يأتي في مبحث الاستصحاب ٣ : ٣٤٧.

(٣) في (ت) و (ه) : «موضع».

(٤) راجع الصفحة ٢٩١.

(٥) الآتية في الصفحة ٢٩٧ ، فما بعد.

مدلول الآيات المستدلّ بها على حجيّة الخبر الواحد

ثمّ إنّ هذه الآيات ، على تقدير تسليم دلالة كلّ واحدة منها على حجّيّة الخبر ، إنّما تدلّ ـ بعد تقييد المطلق منها الشامل لخبر العادل وغيره بمفهوم (١) آية النبأ ـ على حجّيّة خبر العادل الواقعيّ أو من أخبر عدل واقعيّ بعدالته ، بل يمكن انصراف المفهوم ـ بحكم الغلبة وشهادة التعليل بمخافة الوقوع في الندم (٢) ـ إلى صورة إفادة خبر العادل الظنّ الاطمئنانيّ بالصدق ، كما هو الغالب مع القطع بالعدالة ؛ فيصير حاصل مدلول الآيات اعتبار خبر العادل الواقعيّ بشرط إفادته (٣) الظنّ الاطمئنانيّ والوثوق ، بل هذا أيضا منصرف سائر الآيات ، وإن لم يكن انصرافا موجبا لظهور عدم إرادة غيره حتّى لا يعارض (٤) المنطوق (٥).

__________________

(١) كذا في (ظ) و (م) ونسخة بدل (ص) ، وفي غيرها بدل «بمفهوم» : «بمنطوق».

(٢) لم ترد عبارة «وشهادة ـ إلى ـ الندم» في (ص) و (ه) والنسخة المصحّحة الموجودة عند المحقّق الآشتياني قدس‌سره على ما ذكره في بحر الفوائد ١ : ١٦٠ ، وشطب عليها في (ل).

(٣) في (ت) ، (ر) ، (ص) و (ل) : «إفادة».

(٤) في (ص) و (ل) : «يعارض».

(٥) كذا في (ه) وهامش (ت) و (ل) ، ولم ترد عبارة «والوثوق ـ إلى ـ المنطوق» في (ت) ، (ر) ، (ظ) ، (ل) و (م) ، نعم وردت فيها العبارة التالية : «وهو المعبّر عنه بالوثوق ، نعم لو لم نقل بدلالة آية النبأ من جهة عدم المفهوم لها اقتصر على منصرف سائر الآيات وهو الخبر المفيد للوثوق وإن لم يكن المخبر عادلا» ، ولكن شطب عليها في (ل) ، وكتب عليها في (ت) : «زائد» ، ووردت كلتا العبارتين في (ص) وكتب على الثانية : «زائد».

[الثاني : السنّة](١)

الاستدلال على حجيّة الخبر الواحد بطوائف من الأخبار :

وأمّا السنّة ، فطوائف من الأخبار :

منها : ما ورد في الخبرين المتعارضين : من الأخذ بالأعدل والأصدق (٢) أو (٣) المشهور ، والتخيير عند التساوي :

١ ـ ما ورد في الخيرين المتعارضين

مثل مقبولة عمر بن حنظلة ، (٤) حيث يقول : «الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما وأصدقهما في الحديث» (٥).

مقبولة ابن حنظلة

وموردها وإن كان في الحاكمين ، إلاّ أنّ ملاحظة جميع الرواية تشهد : بأنّ المراد بيان المرجّح للروايتين اللتين استند إليهما الحاكمان.

مرفوعة زرارة

ومثل رواية عوالي اللآلي المرويّة عن العلاّمة ، المرفوعة إلى زرارة : «قال : يأتي عنكم الخبران أو الحديثان المتعارضان ، فبأيّهما آخذ؟ قال : خذ بما اشتهر بين أصحابك ودع الشاذّ النّادر ، قلت : إنّهما معا مشهوران؟ قال : خذ بأعدلهما عندك وأوثقهما في نفسك» (٦).

__________________

(١) العنوان منّا.

(٢) لم ترد في (ظ) و (م) : «والأصدق».

(٣) في (ر) و (ص) : «و».

(٤) في (ت) ، (ر) ، (ص) ، (ظ) و (م) زيادة : «وهي وإن وردت في الحكم».

(٥) الوسائل ١٨ : ٧٥ و ٧٦ ، الباب ٩ من أبواب صفات القاضي ، ضمن الحديث الأوّل.

(٦) عوالي اللآلي ٤ : ١٣٣ ، الحديث ٢٢٩ ، ومستدرك الوسائل ١٧ : ٣٠٣ ، الحديث ٢.

رواية ابن أبي الجهم

ومثل رواية ابن الجهم (١) عن الرضا عليه‌السلام : «قلت : يجيئنا الرجلان ـ وكلاهما ثقة ـ بحديثين مختلفين ، فلا نعلم أيّهما الحقّ ، قال : إذا لم تعلم فموسّع عليك بأيّهما أخذت» (٢).

رواية الحارث ابن المغيرة

ورواية الحارث بن المغيرة عن الصادق عليه‌السلام ، قال : «إذا سمعت من أصحابك الحديث وكلّهم ثقة ، فموسّع عليك حتّى ترى القائم» (٣).

وغيرها من الأخبار (٤).

والظاهر : أنّ دلالتها على اعتبار الخبر الغير المقطوع الصدور واضحة ، إلاّ أنّه لا إطلاق لها ؛ لأنّ السؤال عن الخبرين اللذين فرض السائل كلا منهما حجّة يتعيّن العمل بها لو لا المعارض ؛ كما يشهد به السؤال بلفظة (٥) «أيّ» الدالّة على السؤال عن المعيّن (٦) مع العلم بالمبهم ، فهو كما إذا سئل عن تعارض الشهود أو أئمّة الصلاة ، فأجاب ببيان المرجّح ، فإنّه لا يدلّ إلاّ على أنّ المفروض تعارض من كان منهم مفروض القبول لو لا المعارض.

__________________

(١) كذا في (ظ) و (م) وفي المصدر : «الحسن بن الجهم» ، وفي (ل) : «أبي الجهم» ، وفي غيرها : «ابن أبي جهم».

(٢) الوسائل ١٨ : ٨٧ ، الباب ٩ من أبواب صفات القاضي ، الحديث ٤٠.

(٣) الوسائل ١٨ : ٨٧ ، الباب ٩ من أبواب صفات القاضي ، الحديث ٤١.

(٤) انظر مبحث التعادل والتراجيح ٤ : ٥٧ ـ ٦٦.

(٥) في (ر) ، (ل) و (ه) : «بلفظ».

(٦) في (ر) ، (ل) و (ه) : «التعيين».