درس فرائد الاصول - قطع و ظن

جلسه ۸: تجری ۱

 

وينبغي التنبيه على امور :

الأوّل

الكلام في التجرّي وأنّه حرام أم لا؟

أنّه قد عرفت (١) : أنّ القاطع لا يحتاج في العمل بقطعه إلى أزيد من الأدلّة المثبتة لأحكام مقطوعه ، فيجعل ذلك كبرى لصغرى قطع بها ، فيقطع بالنتيجة ، فإذا قطع بكون شيء خمرا ، وقام الدليل على كون حكم الخمر في نفسها هي الحرمة ، فيقطع بحرمة ذلك الشيء.

هل القطع حجّة مطلقا أو في خصوص صورة مصادفته للواقع؟

لكنّ الكلام في أنّ قطعه هذا هل هو حجّة عليه من الشارع وإن كان مخالفا للواقع في علم الله ، فيعاقب على مخالفته ، أو أنّه حجّة عليه إذا صادف الواقع؟ بمعنى أنّه لو شرب الخمر الواقعيّ عالما عوقب عليه في مقابل من شربها جاهلا ، لا أنّه يعاقب على شرب ما قطع بكونه خمرا وإن لم يكن خمرا في الواقع.

الاستدلال على حرمة التجرّي بالإجماع

ظاهر كلماتهم في بعض المقامات : الاتّفاق على الأوّل ؛ كما يظهر من دعوى جماعة (٢) الإجماع على أنّ ظانّ ضيق الوقت إذا أخّر الصلاة عصى وإن انكشف بقاء الوقت ؛ فإنّ تعبيرهم بظنّ الضيق لبيان أدنى

__________________

(١) في الصفحة ٢٩ ـ ٣٠.

(٢) منهم : العلاّمة في المنتهى ٤ : ١٠٧ ، والفاضل الهندي في كشف اللثام ٣ : ١٠٩ ، والسيّد العاملي في مفتاح الكرامة ٢ : ٦١.

فردي الرجحان ، فيشمل القطع بالضيق.

نعم ، حكي عن النهاية (١) وشيخنا البهائي (٢) التوقّف في العصيان ، بل في التذكرة : لو ظنّ ضيق الوقت عصى لو أخّر إن استمرّ الظنّ ، وإن انكشف خلافه (٣) فالوجه عدم العصيان (٤) ، انتهى (٥). واستقرب العدم سيّد مشايخنا في المفاتيح (٦).

وكذا لا خلاف بينهم ـ ظاهرا ـ في أنّ سلوك الطريق المظنون الخطر أو مقطوعه معصية يجب إتمام الصلاة فيه ولو بعد انكشاف عدم الضرر فيه (٧).

تأييد الحرمة ببناء العقلاء

ويؤيّده : بناء العقلاء على الاستحقاق ، وحكم العقل بقبح التجرّي.

الاستدلال على الحرمة بالدليل العقلي

وقد يقرّر دلالة العقل على ذلك (٨) : بأنّا إذا فرضنا شخصين قاطعين ، بأن قطع أحدهما بكون مائع معيّن خمرا ، وقطع الآخر بكون

__________________

(١) و (٢) حكى السيّد المجاهد في مفاتيح الاصول عن الزبدة : التوقّف ، وعن النهاية قولين في موضعين ، انظر مفاتيح الاصول : ٣٠٨ ، والزبدة : ٤١ ، ونهاية الوصول (مخطوط) : ١١ و ٩٤.

(٣) في (ظ) ، (ل) والمصدر : بطلانه.

(٤) التذكرة ٢ : ٣٩١.

(٥) لم ترد عبارة «بل في التذكرة ـ إلى : ـ انتهى» في (م) ، وكتب عليها في (ص) : أنّها زائدة ، إلاّ أنّه اضيف فيهما تصحيحا بعد قوله : «في المفاتيح» ما يلي : «تبعا للعلاّمة في التذكرة».

(٦) مفاتيح الاصول : ٣٠٨.

(٧) في (ر) زيادة : «فتأمّل».

(٨) المقرّر هو المحقّق السبزواري في الذخيرة.

مائع (١) آخر خمرا ، فشرباهما ، فاتّفق مصادفة أحدهما للواقع ومخالفة الآخر : فإمّا أن يستحقّا العقاب ، أو لا يستحقّه أحدهما ، أو يستحقّه من صادف قطعه الواقع دون الآخر ، أو العكس.

لا سبيل إلى الثاني والرابع ، والثالث مستلزم لإناطة استحقاق العقاب بما هو خارج عن الاختيار ، وهو مناف لما يقتضيه العدل ، فتعيّن الأوّل (٢).

ويمكن الخدشة في الكلّ :

المناقشة في الإجماع

أمّا الإجماع ، فالمحصّل منه غير حاصل ، والمسألة عقليّة ، خصوصا مع مخالفة غير واحد ، كما عرفت من النهاية (٣) وستعرف من قواعد الشهيد قدس‌سره (٤) ، والمنقول منه ليس حجّة في المقام.

المناقشة في بناء العقلاء

وأمّا بناء العقلاء ، فلو سلّم فإنّما هو على مذمّة الشخص من حيث إنّ هذا الفعل يكشف عن وجود صفة الشقاوة فيه ، لا على نفس فعله ، كمن انكشف لهم من حاله أنّه بحيث لو قدر على قتل سيّده لقتله ؛ فإنّ المذمّة على المنكشف ، لا الكاشف.

ومن هنا يظهر الجواب عن قبح التجرّي ؛ فإنّه لكشف ما تجرّى به عن خبث الفاعل (٥) ، لا عن كون الفعل مبغوضا للمولى.

والحاصل : أنّ الكلام في كون هذا الفعل ـ الغير المنهيّ عنه واقعا ـ مبغوضا للمولى من حيث تعلّق اعتقاد المكلّف بكونه مبغوضا ، لا في أنّ

__________________

(١) في (ت) ونسخة بدل (ه) زيادة : «معيّن».

(٢) انظر ذخيرة المعاد : ٢٠٩ و ٢١٠.

(٣) راجع الصفحة السابقة.

(٤) انظر الصفحة ٤٩ ـ ٥٠.

(٥) في (ر) و (ص) زيادة : «لكونه جريئا عازما على العصيان والتمرّد».