درس مکاسب محرمه

جلسه ۹۸: کسب به وسیله قصد منفعت محرمه ۶

 

وقد ورد النصّ بأنّ : «ثمن الجارية المغنّية سحت» (١) وأنّه : «قد يكون للرجل الجارية تُلهيه ؛ وما ثمنها إلاّ كثمن الكلب» (٢).

بيع الجارية المغنّية مع ملاحظة الصفة المحرّمة وعدمها

نعم ، لو لم تلاحظ الصفة أصلاً في كمّيّة الثمن ، فلا إشكال في الصحّة.

ولو لوحظت من حيث إنّها صفة كمال قد تصرف إلى المحلّل فيزيد لأجلها الثمن ، فإن كانت المنفعة المحلّلة لتلك الصفة ممّا يعتدّ بها ، فلا إشكال في الجواز.

وإن كانت نادرة بالنسبة إلى المنفعة المحرّمة ، ففي إلحاقها بالعين في عدم جواز بذل المال إلاّ لما اشتمل على منفعة محلّلة غير نادرة بالنسبة إلى المحرّمة ، وعدمه لأنّ المقابل بالمبذول هو الموصوف ، ولا ضير في زيادة ثمنه بملاحظة منفعة نادرة وجهان :

أقواهما : الثاني ، إذ لا يُعدّ أكلاً للمال بالباطل ، والنصّ بأنّ «ثمن المغنّية سحت» مبنيٌّ على الغالب.

__________________

(١) الوسائل ١٢ : ٨٧ ، الباب ١٦ من أبواب ما يكتسب به ، الحديث ٤ ، ولفظه : «إنّ ثمن الكلب والمغنّية سحت».

(٢) الوسائل ١٢ : ٨٨ ، الباب ١٦ من أبواب ما يكتسب به ، الحديث ٦ ، باختلاف يسير في اللفظ.

المسألة الثالثة

بيع العنب ممّن يعمله خمراً بقصد أن يعمله خمراً

يحرم بيع العنب ممّن يعمله خمراً بقصد أن يعمله ، وكذا بيع الخشب بقصد أن يعمله صنماً أو صليباً ؛ لأنّ فيه إعانةً على الإثم والعدوان. ولا إشكال ولا خلاف في ذلك.

أمّا لو لم يقصد ذلك ، فالأكثر على عدم التحريم ، للأخبار المستفيضة :

الأخبار المجوّزة للبيع مع عدم القصد

منها : خبر ابن أُذينة ، قال : «كتبت إلى أبي عبد الله عليه‌السلام أسأله عن رجل له كَرْمٌ (١) يبيع العنب (٢) ممّن يعلم أنّه يجعله خمراً أو مسكراً؟ فقال عليه‌السلام : إنّما باعه حلالاً في الإبّان الذي يحلّ شربه أو أكله ، فلا بأس ببيعه» (٣).

__________________

(١) الكَرْم : العنب ، وأرض يحوطها حائط فيه أشجار ملتفّة لا يمكن زراعة أرضها. انظر محيط المحيط : ٧٧٧.

(٢) في المصدر : أيبيع العنب والتمر ممّن يعلم أنّه يجعله خمراً أو سكراً.

(٣) الوسائل ١٢ : ١٦٩ ، الباب ٥٩ من أبواب ما يكتسب به ، الحديث ٥.

ورواية أبي كَهْمَس ، قال (١) : «سأل رجل أبا عبد الله عليه‌السلام إلى أن قال ـ : هو ذا نحن نبيع تمرنا ممّن نعلم أنّه يصنعه خمراً» (٢).

إلى غير ذلك ممّا هو دونهما في الظهور.

الأخبار المانعة

وقد يعارض ذلك (٣) بمكاتبة ابن أُذينة : «عن رجل له خشب فباعه ممّن يتّخذه صُلباناً ، قال : لا» (٤).

ورواية عمرو بن حريث : «عن التوت (٥) أبيعه ممّن يصنع الصليب أو الصنم؟ قال : لا» (٦).

الجمع بين الأخبار

وقد يجمع بينهما وبين الأخبار المجوّزة ، بحمل المانعة على صورة اشتراط جعل الخشب صليباً أو صنماً ، أو تواطؤهما عليه.

__________________

(١) من «ش» والمصدر.

(٢) الوسائل ١٢ : ١٧٠ ، الباب ٥٩ من أبواب ما يكتسب به ، الحديث ٦.

(٣) في «ش» : تلك.

(٤) الوسائل ١٢ : ١٢٧ ، الباب ٤١ من أبواب ما يكتسب به ، الحديث الأوّل.

(٥) كذا في «ف» و «ع» ومصححة «خ» ونسخة بدل «م» و «ش» ، وفي «ن» و «ص» : التوز ، وأمّا في المصادر الحديثيّة ، ففي الكافي والتهذيب والوسائل : التوت ، وفي الوافي : التوز ؛ وقال المحدث الكاشاني في بيانه : «التوز بضمّ المثنّاة الفوقانيّة والزاي ـ : شجر يصنع به القوس» انظر الوافي ١٧ : ٢٧٦. وأمّا التوت فهو شجر يأكل ورقه دود القزّ ، وله ثمرٌ أبيض حلوٌ ، ومنه ما يثمر ثمراً حامضاً ثم يسْوَدّ فيحلو ، ويقال له : التوت الشامي ، ويقال لثمره : الفرصاد. محيط المحيط : ٧٥ ، مادة : «توت».

(٦) الوسائل ١٢ : ١٢٧ ، الباب ٤١ من أبواب ما يكتسب به ، الحديث ٢ ، ولفظه هكذا : «عن التوت أبيعه يصنع للصليب والصنم ..».

وفيه : أنّ هذا في غاية البعد ؛ إذ لا داعي للمسلم على اشتراط صناعة الخشب صنماً في متن بيعه أو في خارجه ، ثمّ يجي‌ء ويسأل الإمام عليه‌السلام عن جواز فعل هذا في المستقبل وحرمته! وهل يحتمل أن يريد الراوي بقوله : «أبيع التوت (١) ممّن يصنع الصنم والصليب» أبيعه مشترطاً عليه وملزماً في متن العقد أو قبله أن لا يتصرّف فيه إلاّ بجعله صنماً؟!

الأولى حمل الأخبار المانعة على الكراهة

فالأولى : حمل الأخبار المانعة على الكراهة ؛ لشهادة غير واحد من الأخبار على الكراهة (٢) كما أفتى به (٣) جماعة (٤) ويشهد له رواية الحلبي (٥) : «عن بيع العصير ممّن يصنعه خمراً ، قال : بَيْعه (٦) ممّن يطبخه أو يصنعه خلاّ أحبّ إليَّ ، ولا أرى به بأساً» (٧). وغيرها.

أو التزام الحرمة في بيع الخشب ممّن يعمله صليباً أو صنماً لظاهر تلك الأخبار ، والعمل في مسألة بيع العنب وشبهها على الأخبار المجوّزة.

__________________

(١) أشرنا إلى اختلاف النسخ فيه ، في الصفحة السابقة.

(٢) وردت هذه الفقرة في «ف» هكذا : «بشهادة غير واحد من الأخبار» ثمّ شطب عليها.

(٣) كذا ، والمناسب : بها.

(٤) منهم المحقّق في الشرائع ٢ : ١٠ ، والعلاّمة في الإرشاد ١ : ٣٥٧ وغيره ، والشهيد في اللمعة : ١٠٨ ، ونسبه في الجواهر ٢٢ : ٣١ إلى المشهور.

(٥) كذا في «ش» ، وفي سائر النسخ : رفاعة ، والصواب ما أثبتناه.

(٦) في «ف» والتهذيب والوسائل : بعه.

(٧) الوسائل ١٢ : ١٧٠ ، الباب ٥٩ من أبواب ما يكتسب به ، الحديث ٩ ، وفيه : ولا أرى بالأوّل بأساً.