درس مکاسب محرمه

جلسه ۱۹۴: غش ۳

 

جواز المزج بما لا يخفى

وأمّا المزج والخلط بما لا يخفى فلا يحرم ؛ لعدم انصراف «الغش» إليه ، ويدلّ عليه مضافاً إلى بعض الأخبار المتقدمة ـ : صحيحة ابن مسلم ، عن أحدهما عليهما‌السلام : «أنّه سئل عن الطعام يخلط بعضه ببعض ، وبعضه أجود من بعض ، قال : إذا رؤيا جميعاً فلا بأس ما لم يغطِّ الجيّد الردي‌ء» (١).

ومقتضى هذه الرواية بل رواية الحلبي الثانية (٢) ، ورواية سعد الإسكاف (٣) أنّه لا يشترط في حرمة الغش كونه ممّا لا يعرف إلاّ من قبل البائع ، فيجب الإعلام بالعيب غير الخفي ، إلاّ أن تُنزّل الحرمة في موارد الروايات الثلاث على ما إذا تعمد الغش برجاء التلبس (٤) على المشتري وعدم التفطّن له وإن كان من شأن ذلك العيب أن يتفطّن له ؛ فلا تدلّ الروايات على وجوب الإعلام إذا كان العيب من شأنه التفطّن له ، فقصّر المشتري وسامح في الملاحظة.

وجوب الإعلام الخفيّ لو حصل

ثم إنّ غشّ المسلم إنّما هو ببيع المغشوش عليه مع جهله ، فلا فرق بين كون الاغتشاش بفعله أو بغيره ؛ فلو حصل اتّفاقاً أو لغرض فيجب الإعلام بالعيب الخفي.

ويمكن أن يمنع صدق الأخبار المذكورة إلاّ على ما إذا قصد التلبيس ، وأمّا ما هو ملتبس في نفسه فلا يجب عليه الإعلام.

__________________

(١) الوسائل ١٢ : ٤٢٠ ، الباب ٩ من أبواب أحكام العيوب ، الحديث الأوّل.

(٢) المتقدّمة في الصفحة السابقة.

(٣) المتقدمة في الصفحة : ٢٧٦.

(٤) في «ش» : التلبيس.

نعم ، يحرم عليه إظهار ما يدلّ على سلامته من ذلك ؛ فالعبرة في الحرمة بقصد تلبيس الأمر على المشتري ، سواء كان العيب خفيّاً أم جليّا كما تقدم لا بكتمان العيب مطلقاً ، أو خصوص الخفي وإن لم يقصد التلبيس. ومن هنا منع في التذكرة من كون بيع المعيب مطلقاً مع عدم الإعلام بالعيب غشّاً (١).

وفي التفصيل المذكور في رواية الحلبي (٢) إشارة إلى هذا المعنى ؛ حيث إنّه عليه‌السلام جوّز بلّ الطعام بدون قيد الإعلام إذا لم يقصد به الزيادة وإن حصلت به ، وحرّمه مع قصد الغش.

نعم ، يمكن أن يقال في صورة تعيّب المبيع بخروجه عن مقتضى خلقته الأصلية بعيب خفيّ أو جليّ : أنّ التزام البائع بسلامته عن العيب مع علمه به غشّ للمشتري ، كما لو صرّح باشتراط السلامة ؛ فإنّ العرف يحكمون على البائع بهذا الشرط مع علمه بالعيب أنّه غاشّ.

أقسام الغشّ

ثم إنّ الغشّ يكون بإخفاء الأدنى في الأعلى كمزج الجيّد بالردي‌ء ، أو غير المراد في المراد كإدخال الماء في اللّبن ، وبإظهار الصفة الجيّدة المفقودة واقعاً ، وهو التدليس ، أو بإظهار الشي‌ء على خلاف جنسه كبيع المُموّه على أنّه ذهب أو فضة.

ما أفاده المحقّق الثاني في صحّة المعاملة وفسادها

ثم إنّ في جامع المقاصد ذكر في الغش بما يخفى بعد تمثيله له بمزج اللّبن بالماء وجهين في صحة المعاملة وفسادها ، من حيث‌

__________________

(١) التذكرة ١ : ٥٣٨.

(٢) المتقدمة في الصفحة : ٢٧٧.

إنّ المحرّم هو الغش والمبيع عين مملوكة ينتفع بها ، ومن أنّ المقصود بالبيع هو اللّبن ، والجاري عليه العقد هو المشوب.

ثم قال : وفي الذكرى في باب الجماعة ما حاصله ، أنّه لو نوى الاقتداء بإمامٍ معيّن على أنّه زيد فبان عمرواً ، أنّ في الحكم نظراً ، ومثله ما لو قال : بعتك هذا الفرس ، فإذا هو حمار (١) وجعل منشأ التردد تغليب الإشارة أو الوصف (٢) ، انتهى.

نقد ما ذكره المحقّق الثاني

وما ذكره من وجهي الصحّة والفساد جارٍ في مطلق العيب ؛ لأنّ المقصود هو الصحيح ، والجاري عليه العقد هو المعيب ، وجعله من باب تعارض الإشارة والوصف مبنيّ على إرادة الصحيح من عنوان المبيع ، فيكون قوله : «بعتك هذا العبد» بعد تبين كونه أعمى بمنزلة قوله : «بعتك هذا البصير».

وأنت خبير بأنّه ليس الأمر كذلك كما سيجي‌ء في باب العيب ـ ، بل وصف الصحة ملحوظ على وجه الشرطية وعدم كونه مقوّماً للمبيع ، كما يشهد به العرف والشرع.

ثم لو فرض كون المراد من عنوان المشار إليه هو الصحيح ، لم يكن إشكال في تقديم العنوان على الإشارة بعد ما فرض رحمه‌الله أنّ المقصود بالبيع هو اللّبن والجاري عليه العقد هو المشوب ؛ لأنّ ما قصد لم يقع وما وقع لم يقصد ؛ ولذا اتفقوا على بطلان الصرف فيما إذا تبين أحد العوضين معيباً من غير الجنس.

__________________

(١) الذكرى : ٢٧١.

(٢) جامع المقاصد ٤ : ٢٥.