درس مکاسب محرمه

جلسه ۸۱: کسب به وسیله عین نجس ۶۸

 

تعليل المنع فيها بحرمة الانتفاع.

توجيه كلام من أطلق المنع

ويمكن حمل كلام من أطلق المنع عن بيع النجس إلاّ الدهن لفائدة الاستصباح على إرادة المائعات النجسة التي لا ينتفع بها في غير الأكل والشرب منفعة محلّلة مقصودة من أمثالها.

ويؤيّده : تعليل استثناء الدهن بفائدة (١) الاستصباح ، نظير استثناء بول الإبل للاستشفاء ، وإن احتمل أن يكون ذكر الاستصباح لبيان ما يشترط أن يكون غاية للبيع.

قال في جامع المقاصد في شرح قول العلاّمة قدس‌سره : «إلاّ الدهن المتنجّس (٢) لتحقّق فائدة (٣) الاستصباح به تحت السماء خاصّة» قال : وليس المراد ب «خاصّة» بيان حصر الفائدة (٤) كما هو الظاهر ـ ، وقد ذكر شيخنا الشهيد في حواشيه : أنّ في روايةٍ جواز اتّخاذ الصابون من الدهن المتنجّس ، وصرّح مع ذلك بجواز الانتفاع به فيما يتصوّر من فوائده كطلي الدوابّ.

إن قيل : إنّ العبارة تقتضي حصر الفائدة ؛ لأنّ الاستثناء في سياق النفي يفيد الحصر ، فإنّ المعنى في العبارة : إلاّ الدهن المتنجّس لهذه الفائدة.

قلنا : ليس المراد ذلك ، لأنّ الفائدة بيان لوجه الاستثناء ، أي‌

__________________

(١) كذا في «ن» ، و «ش» ، وفي غيرهما : لفائدة.

(٢) لم ترد كلمة «المتنجس» في غير «ف».

(٣) في المصدر : إلاّ الدهن النجس لفائدة.

(٤) في «ش» زيادة : في الاستصباح.

إلاّ الدهن لتحقّق فائدة الاستصباح ، وهذا لا يستلزم الحصر ، ويكفي في صحّة ما قلنا تطرّق الاحتمال في العبارة المقتضي لعدم الحصر (١) ، انتهى.

وكيف كان ، فالحكم بعموم كلمات هؤلاء لكلّ مائع متنجّس مثل الطين والجصّ المائعين ، والصبغ ، وشبه ذلك محلّ تأمّل.

وما نسبه في المسالك من عدم فرقهم في المنع عن بيع المتنجّس بين ما يصلح للانتفاع به وما لا يصلح (٢) فلم يثبت صحّته ، مع ما عرفت من كثير من الأصحاب من إناطة الحكم في كلامهم مدار الانتفاع (٣).

استشكال المحقق الثاني في حاشية الارشاد على عبارة العلّامة

ولأجل ذلك استشكل المحقّق الثاني في حاشية الإرشاد في ما (٤) ذكره العلاّمة بقوله : «ولا بأس ببيع ما عرض له التنجيس مع قبول الطهارة» (٥) حيث قال : مقتضاه أنّه لو لم يكن قابلاً للطهارة لم يجز بيعه ، وهو مشكل ؛ إذ الأصباغ المتنجّسة لا تقبل التطهير عند الأكثر ، والظاهر جواز بيعها ؛ لأنّ منافعها لا تتوقّف على الطهارة ، اللهمّ إلاّ أن يقال : إنّها تؤول إلى حالة يقبل معها التطهير ، لكن بعد جفافها ، بل ذلك هو‌

__________________

(١) جامع المقاصد ٤ : ١٣.

(٢) تقدّم في الصفحة : ٩٠.

(٣) راجع الصفحة : ٩٢ ٩٣.

(٤) كذا في «ش» ، وفي «ف» ومصححة «ن» : ما ذكره ، وفي سائر النسخ : وما ذكره.

(٥) الإرشاد ١ : ٣٥٧.

المقصود منها ، فاندفع الإشكال (١).

أقول : لو لم يعلم من مذهب العلاّمة دوران المنع عن بيع المتنجّس مدار حرمة الانتفاع لم يرد على عبارته إشكال ؛ لأنّ المفروض حينئذٍ التزامه بجواز الانتفاع بالإصباغ مع عدم جواز بيعها ، إلاّ أن يرجع الإشكال إلى حكم العلاّمة وأنّه مشكل على مختار المحقّق الثاني ، لا إلى كلامه ، وأنّ الحكم مشكل على مذهب المتكلّم ، فافهم.

ثمّ إنّ ما دفع به الإشكال من جعل الأصباغ قابلة للطهارة إنّما ينفع في خصوص الأصباغ ، وأمّا مثل بيع الصابون المتنجّس ، فلا يندفع الإشكال عنه بما ذكره ، وقد تقدّم منه (٢) سابقاً (٣) جواز بيع الدهن المتنجّس ليُعمل صابوناً ؛ بناءً على أنّه من فوائده المحلّلة.

مع أنّ ما ذكره من قبول الصبغ التطهير بعد الجفاف محلّ نظر ؛ لأنّ المقصود من قبوله الطهارة قبولها قبل الانتفاع ، وهو مفقود في الأصباغ ؛ لأنّ الانتفاع بها وهو الصبغ قبل الطهارة ، وأمّا ما يبقى منها بعد الجفاف وهو اللون فهي نفس المنفعة ، لا الانتفاع ، مع أنّه لا يقبل التطهير ، وإنّما القابل هو الثوب.

__________________

(١) حاشية الإرشاد (مخطوط) : ٢٠٤ ، مع اختلاف.

(٢) في «ف» ، «خ» : عنه.

(٣) تقدّم في الصفحة : ٩١.

بقي الكلام في حكم نجس العين ، من حيث أصالة حلّ الانتفاع به في غير ما ثبتت حرمته ، أو أصالة العكس.

ظاهر الاكثر أصالة حرمة الانتفاع بالأعيان النجسة

فاعلم أنّ ظاهر الأكثر أصالة حرمة الانتفاع بنجس العين ، بل ظاهر فخر الدين في شرح الإرشاد والفاضل المقداد : الإجماع على ذلك ، حيث استدلاّ على عدم جواز بيع الأعيان النجسة بأنّها محرّمة الانتفاع ، وكلّ ما هو كذلك لا يجوز بيعه ؛ قالا : أمّا الصغرى فإجماعيّة (١).

ويظهر من الحدائق في مسألة الانتفاع بالدهن المتنجّس (٢) في غير الاستصباح نسبة ذلك إلى الأصحاب (٣).

ويدلّ عليه ظواهر الكتاب والسنّة :

دلالة ظواهر الكتاب والسنّة على حرمة الانتفاع بنجس العين مطلقاً

مثل قوله تعالى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ (٤) ؛ بناءً على ما ذكره الشيخ والعلاّمة من إرادة جميع الانتفاعات (٥).

وقوله تعالى ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ (٦) الدالّ على وجوب اجتناب كلّ رجس ، وهو‌

__________________

(١) التنقيح ٢ : ٥ ، ولا يوجد لدينا شرح الإرشاد.

(٢) في «ف» : النجس.

(٣) الحدائق ١٨ : ٨٩.

(٤) المائدة : ٣.

(٥) الخلاف ١ : ٦٢ ، كتاب الطهارة ، المسألة ١٠ ، نهاية الإحكام ٢ : ٤٦٢.

(٦) المائدة : ٩٠.

نجس العين.

وقوله تعالى ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ (١) ؛ بناءً على أنّ هجره لا يحصل إلاّ بالاجتناب عنه مطلقاً.

دلالة كلّ ما دلّ على حرمة البيع على حرمة الانتفاع بالملازمة

وتعليله عليه‌السلام في رواية تحف العقول حرمة بيع وجوه النجس بحرمة الأكل والشرب والإمساك وجميع التقلّبات فيه.

ويدلّ عليه أيضاً كلّ ما دلّ من الأخبار والإجماع على عدم جواز بيع نجس العين (٢) ؛ بناءً على أنّ المنع من بيعه لا يكون إلاّ مع حرمة الانتفاع به.

مقتضى التأمّل ك رفع اليد عمّا ذكر من الأدلّة

هذا ، ولكنّ التأمّل يقضي بعدم جواز الاعتماد في مقابلة أصالة الإباحة ، على شي‌ء ممّا ذكر.

أمّا آيات التحريم والاجتناب والهجر ، فلظهورها في الانتفاعات المقصودة في كلّ نجس بحسبه ، وهي في مثل الميتة : الأكل ، وفي الخمر : الشرب ، وفي المَيْسِر : اللعب به ، وفي الأنصاب والأزلام : ما يليق بحالهما.

وأمّا رواية تحف العقول ، فالمراد بالإمساك والتقلّب فيه (٣) ما يرجع إلى الأكل والشرب ، وإلاّ فسيجي‌ء الاتّفاق على جواز إمساك نجس العين لبعض الفوائد.

__________________

(١) المدّثر : ٥.

(٢) تقدّم في مسائل الاكتساب بالأعيان النجسة ، فراجع.

(٣) في مصحّحة «ن» : فيها. وتذكير الضمير صحيح أيضاً باعتبار رجوعه إلى «النجس» في الرواية.