درس مکاسب محرمه

جلسه ۱۸۰: رشوه ۵

 

وعدم تعين القضاء عليه ، ومنعه مع غناه أو عدم الغنى عنه (١).

ولعل اعتبار عدم تعين القضاء لما تقرر عندهم من حرمة الأُجرة على الواجبات العينية ، وحاجته لا تسوّغ أخذ الأُجرة عليها ، وإنّما يجب على القاضي وغيره رفع حاجته من وجوه أُخر.

وأمّا اعتبار الحاجة ، فلظهور اختصاص أدلّة المنع بصورة الاستغناء ، كما يظهر بالتأمّل في روايتي يوسف وعمّار المتقدمتين (٢).

ولا مانع من التكسب بالقضاء من جهة وجوبه الكفائي ، كما هو أحد الأقوال في المسألة الآتية في محلها إن شاء الله.

جواز الارتزاق للقاضي من بيت المال

وأمّا الارتزاق من بيت المال ، فلا إشكال في جوازه للقاضي مع حاجته ، بل مطلقاً إذا رأى الإمام المصلحة فيه ، لما سيجي‌ء من الأخبار الواردة في مصارف الأراضي الخراجية.

ويدلّ عليه ما كتبه أمير المؤمنين عليه‌السلام إلى مالك الأشتر من قوله عليه‌السلام : «وافسح له أي للقاضي في البذل (٣) ما يزيح علته وتقلّ معه حاجته إلى الناس» (٤).

جواز أخذ الرزق من السلطان الجائر

ولا فرق بين أن يأخذ الرزق من السلطان العادل ، أو من الجائر ، لما سيجي‌ء من حلّية بيت المال لأهله ولو خرج من يد الجائر.

__________________

(١) المختلف : ٣٤٢.

(٢) تقدمتا في الصفحة : ٢٤٠.

(٣) كذا في «ف» والمصدر ، وفي سائر النسخ : بالبذل.

(٤) نهج البلاغة : ٤٣٥ ، الكتاب ٥٣.

وأمّا ما تقدم في صحيحة ابن سنان (١) ، من المنع من أخذ الرزق من السلطان ، فقد عرفت الحال فيه.

حكم الهديّة ، وبيان الفرق بينها وبين الرشوة

وأمّا الهدية ، وهي ما يبذله على وجه الهبة ليورث المودّة الموجبة للحكم له حقاً كان أو باطلاً وإن لم يقصد المبذول له الحكم إلاّ بالحق إذا عرف ولو من القرائن أنّ الأوّل (٢) قصد الحكم له على كلّ تقدير ، فيكون الفرق بينها وبين الرشوة : أنّ الرشوة تبذل لأجل الحكم ، والهديّة تبذل لإيراث الحب المحرّك له على الحكم على وفق مطلبه فالظاهر حرمتها ؛ لأنّها رشوة أو بحكمها بتنقيح المناط.

وعليه يحمل ما تقدم من قول أمير المؤمنين عليه‌السلام : «وإن أخذ يعني الوالي هدية كان غلولاً» (٣) وما ورد من «أنّ هدايا العمّال غلول» (٤) ، وفي آخر : «سُحت» (٥).

وعن عيون الأخبار ، عن مولانا أبي الحسن الرضا عليه‌السلام ، عن أمير المؤمنين عليه‌السلام في تفسير قوله تعالى ﴿أَكّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ (٦) قال‌

__________________

(١) في الصفحة : ٢٤٣.

(٢) في هامش «ن» ، «خ» ، «م» ، «ع» ، «ص» و «ش» : الباذل (خ ل).

(٣) راجع الصفحة : ٢٣٩.

(٤) أوردهما في المبسوط (٨ : ١٥١) عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بلفظ : «هديّة العمال ..». وفي الوسائل عن أمالي الطوسي مسنداً ، عن جابر ، عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال : «هديّة الأُمراء غلول» ، انظر الوسائل ١٨ : ١٦٣ ، الباب ٨ من أبواب آداب القاضي ، الحديث ٦.

(٥) أوردهما في المبسوط (٨ : ١٥١) عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بلفظ : «هديّة العمال ..». وفي الوسائل عن أمالي الطوسي مسنداً ، عن جابر ، عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال : «هديّة الأُمراء غلول» ، انظر الوسائل ١٨ : ١٦٣ ، الباب ٨ من أبواب آداب القاضي ، الحديث ٦.

(٦) المائدة : ٤٢.

«هو الرجل يقضي لأخيه حاجته ، ثم يقبل هديته» (١).

وللرواية توجيهات تكون الرواية على بعضها محمولة على ظاهرها من التحريم ، وعلى بعضها محمولة على المبالغة في رجحان التجنّب عن قبول الهدايا من أهل الحاجة إليه ، لئلاّ يقع في الرشوة يوماً.

وهل تحرم الرشوة في غير الحكم؟

وهل تحرم الرشوة في غير الحكم؟ بناءً على صدقها كما يظهر ممّا تقدم عن المصباح والنهاية (٢) كأن يبذل له مالاً على أن يصلح أمره عند الأمير.

التفصيل بين الحاجة المحرّمة وغيرها

فإن كان أمره منحصراً في المحرّم أو مشتركاً بينه وبين المحلّل لكن بذل على إصلاحه حراماً أو حلالاً ، فالظاهر حرمته لا لأجل الرشوة لعدم الدليل عليه عدا بعض الإطلاقات المنصرف إلى الرُّشا في الحكم بل لأنّه أكلٌ للمال بالباطل ، فتكون الحرمة هنا لأجل الفساد ، فلا يحرم القبض في نفسه ، وإنّما يحرم التصرف لأنّه باقٍ على ملك الغير.

نعم ، يمكن أن يستدلّ على حرمته بفحوى إطلاق ما تقدم في هديّة الولاة والعمال (٣).

__________________

(١) عيون أخبار الرضا عليه‌السلام ٢ : ٢٨ ، الباب ٣١ ، الحديث ١٦ ، ورواه عنه في الوسائل ١٢ : ٦٤ ، الباب ٥ من أبواب ما يكتسب به ، الحديث ١١ ، وفيهما : يقضي لأخيه الحاجة.

(٢) تقدم في الصفحة : ٢٤١.

(٣) يعني به روايتي أصبغ وعمّار المتقدّمتين في أوّل العنوان ، وما تقدّم آنفاً من أنّ : «هدايا العمّال غلول».