درس مکاسب محرمه

جلسه ۱۸۶: سب مومن ۲

 

كالأجذم والأبرص (١).

الظاهر عدم اعتبار المواجهة في صدق السبّ

ثم الظاهر أنّه لا يعتبر في صدق السبّ مواجهة المسبوب. نعم ، يعتبر فيه قصد الإهانة والنقص ، فالنسبة بينه وبين الغيبة عموم من وجه.

والظاهر تعدد العقاب في مادة الاجتماع ؛ لأنّ مجرد ذكر الشخص بما يكرهه لو سمعه ولو لا لقصد الإهانة غيبة محرمة ، والإهانة محرّم آخر.

استثناء المتظاهر بالفسق

ثم إنّه يستثني من «المؤمن» المظاهر بالفسق ، لما سيجي‌ء في الغيبة (٢) : من أنّه لا حرمة له.

وهل يعتبر في جواز سبّه كونه من باب النهي عن المنكر فيشترط بشروطه ، أم لا؟ ظاهر النصوص والفتاوى كما في الروضة (٣) الثاني ، والأحوط الأوّل.

استثناء المبتدع

ويستثنى منه المبتدع أيضاً ؛ لقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «إذا رأيتم أهل (٤) البدع من بعدي فأظهروا البراءة منهم ، وأكثروا من سبّهم والوقيعة فيهم» (٥).

استثناء ما لو لم يتأثّر المسبوب من السبّ

ويمكن أن يستثني من ذلك ما إذا لم يتأثّر المسبوب عرفاً ، بأن لا يوجب قول هذا القائل في حقّه مذلّة ولا نقصاً ، كقول الوالد لولده‌

__________________

(١) قد وردت العبارة باختلاف يسير في مفتاح الكرامة ٤ : ٦٨ في تفسير السبّ من غير أن يسنده إلى أحد ، فراجع.

(٢) يجي‌ء في الصفحة : ٣٤٣.

(٣) الروضة البهية ٩ : ١٧٥.

(٤) في المصدر : أهل الريب والبدع.

(٥) الوسائل ١١ : ٥٠٨ ، الباب ٣٩ من أبواب الأمر والنهي وما يناسبهما ، الحديث الأوّل ، وفيه : «وأكثروا من سبّهم والقول فيهم والوقيعة ، وباهتوهم كيلا يطمعوا في الفساد في الإسلام .. إلخ».

أو السيّد لعبده عند مشاهدة ما يكرهه : «يا حمار» ، وعند غيظه : «يا خبيث» ، ونحو ذلك ، سواء لم يتأثر المقول فيه (١) بذلك بأن لم يكرهه أصلاً أم تأثر به ؛ بناءً على أنّ العبرة بحصول الذلّ والنقص فيه عرفاً.

ويشكل الثاني بعموم أدلّة حرمة الإيذاء (٢).

نعم ، لو قال السيد ذلك في مقام التأديب جاز ؛ لفحوى جواز الضرب.

وأمّا الوالد : فيمكن استفادة الجواز في حقه ممّا ورد من مثل قولهم عليهم‌السلام : «أنت ومالك لأبيك» (٣) ، فتأمّل.

مضافاً إلى استمرار السيرة بذلك ، إلاّ أن يقال : إنّ استمرار السيرة إنّما هو مع عدم تأثر السامع وتأذّيه بذلك.

ومن هنا يوهن التمسك بالسيرة في جواز سبّ المعلّم للمتعلّم ؛ فإنّ السيرة إنّما نشأت في الأزمنة السابقة من عدم تألّم المتعلّم بشتم المعلّم لعدّ نفسه أدون من عبده ، بل ربما كان يفتخر بالسب ؛ لدلالته على كمال لطفه. وأمّا زماننا هذا الذي يتألّم المتعلّم فيه من المعلّم ممّا لم يتألّم به من شركائه في البحث من القول والفعل ، فحِلُّ إيذائه يحتاج إلى الدليل ، والله الهادي إلى سواء السبيل.

__________________

(١) كذا في ظاهر «ف» ومصححة «ن» ، وفي «م» ، «ع» و «ص» : القول فيه ، وشطب عليه في «خ» ، وموضعه بياض في «ش».

(٢) مثل قوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا ..﴾ الأحزاب : ٥٧ ، وراجع الوسائل ٨ : ٥٨٧ ، الباب ١٤٥ من أبواب أحكام العشرة.

(٣) الوسائل ١٢ : ١٩٧ ، الباب ٧٨ من أبواب ما يكتسب به ، ضمن الحديث ٨.

المسألة العاشرة

حرمة السحر

السحر‌ حرام في الجملة بلا خلاف ، بل هو ضروري كما سيجي‌ء والأخبار به مستفيضة :

منها ما تقدم من أنّ الساحر كالكافر (١).

الاخبار المستفيضة الواردة في حرمة السحر

ومنها قوله عليه‌السلام : «من تعلّم شيئاً من السحر قليلاً أو كثيراً فقد كفر ، وكان آخر عهده بربّه [وحدّه أن يقتل (٢)] إلاّ أن يتوب» (٣).

وفي رواية السكوني ، عن الصادق عليه‌السلام قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «ساحر المسلمين يقتل ، وساحر الكفار لا يقتل. قيل : يا رسول الله لِمَ لا يقتل ساحر الكفار؟ قال : لأنّ الشرك أعظم من السحر ؛ ولأنّ السحر والشرك مقرونان» (٤).

وفي نبوي آخر : «ثلاثة لا يدخلون الجنة : مُدْمِنُ خَمْرٍ ، ومُدْمِنُ سحرٍ ،

__________________

(١) تقدم في الصفحة : ٢٠٥ ، في مسألة التنجيم.

(٢) من «ش» و «ص» والمصدر.

(٣) الوسائل ١٢ : ١٠٧ ، الباب ٢٥ من أبواب ما يكتسب به ، الحديث ٧.

(٤) الوسائل ١٢ : ١٠٦ ، الباب ٢٥ من أبواب ما يكتسب به ، الحديث ٢.

وقاطع رحمٍ» (١).

إلى غير ذلك من الأخبار (٢).

ثم إنّ الكلام هنا يقع في مقامين :

المراد من السحر

الأوّل : في المراد بالسحر.

كلمات اللغويين

وهو لغة على ما عن بعض أهل اللغة هو (٣) ـ : ما لطف مأخذه ودقّ (٤).

وعن بعضهم : أنّه صرف الشي‌ء عن وجهه (٥).

وعن ثالث : أنّه الخَدْع (٦).

وعن رابع : «أنّه إخراج الباطل في صورة الحق» (٧).

وقد اختلفت عبارات الأصحاب في بيانه :

كلمات الفقهاء

فقال العلاّمة رحمه‌الله في القواعد والتحرير ـ : إنّه كلام يتكلم به أو يكتبه ، أو رُقْيَةٌ ، أو يعمل شيئاً يؤثّر في بدن المسحور أو قلبه‌

__________________

(١) الوسائل ١٢ : ١٠٧ ، الباب ٢٥ من أبواب ما يكتسب به ، الحديث ٦.

(٢) راجع الوسائل ١٢ : ١٠٣ ، الباب ٢٤ من أبواب ما يكتسب به ، الحديث ٧ ، وأحاديث أُخر غير النبويّين المذكورين من الباب ٢٥.

(٣) كذا في النسخ ، والظاهر زيادة «هو».

(٤) الصحاح ٢ : ٦٧٩ ، مادّة «سحر».

(٥) النهاية لابن الأثير ٢ : ٣٤٦ ، مادّة «سحر».

(٦) الصحاح ٢ : ٦٧٩.

(٧) نقله السيد العاملي في مفتاح الكرامة ٤ : ٦٩ عن ابن فارس في مجملة.

أو عقله من غير مباشرة (١).

وزاد في المنتهي : أو عقد (٢).

اعتبار الاضرار في السحر عند بعض

وزاد في المسالك : أو أقسام أو عزائم يحدث بسببها ضرر على الغير (٣).

وزاد في الدروس : الدُّخْنة والتصوير والنفْث وتصفية النفْس (٤).

ويمكن أن يدخل جميع ذلك في قوله في القواعد : «أو يعمل شيئاً».

نعم ظاهر المسالك ومحكي (٥) الدروس : أنّ المعتبر في السحر الإضرار.

فإن أُريد من «التأثير» في عبارة القواعد وغيرها خصوص الإضرار بالمسحور فهو ، وإلاّ كان أعم.

ثم إنّ الشهيدين رحمهما الله عدّا من السحر : استخدام الملائكة ، واستنزال الشياطين في كشف الغائبات وعلاج المصاب ، واستحضارهم‌

__________________

(١) القواعد ١ : ١٢١ ، التحرير ١ : ١٦١.

(٢) المنتهي ٢ : ١٠١٤.

(٣) المسالك ٣ : ١٢٨.

(٤) الدروس ٣ : ١٦٣.

(٥) كذا في النسخ ، ولعلّ الأصحّ : «وصريح الدروس» ، حيث إنّه قدس‌سره نقل آنفاً عن الدروس بلا واسطة ، فلا وجه لإسناده هنا إلى الحكاية ؛ مع أنّ عبارة الدروس صريحة في اعتبار الإضرار. إلاّ أنّ عبارة المسالك أيضاً صريحة في ذلك ؛ فراجع.

وتلبيسهم (١) ببدن صبيٍّ أو امرأة ، وكشف الغائبات على (٢) لسانه (٣).

والظاهر أنّ المسحور في ما ذكراه هي الملائكة والجن والشياطين ، والإضرار بهم يحصل بتسخيرهم وتعجيزهم من المخالفة له (٤) وإلجائهم إلى الخدمة.

وقال في الإيضاح : إنّه استحداث الخوارق ، إمّا بمجرّد التأثيرات النفسانية ، وهو السحر ، أو بالاستعانة بالفلكيّات فقط ، وهو دعوة الكواكب ، أو بتمزيج القوى السماوية بالقوى الأرضية ، وهي الطلسمات ، أو على سبيل الاستعانة بالأرواح الساذجة ، وهي العزائم ، ويدخل فيه النَّيْرَنْجات ؛ والكلّ حرام في شريعة الإسلام ، ومستحلّه كافر (٥) ، انتهى.

وتبعه على هذا التفسير في محكي التنقيح (٦) وفسّر «النَّيْرَنْجات» في الدروس بإظهار غرائب خواص الامتزاجات وأسرار النَّيِّرَيْن (٧).

وفي الإيضاح : أمّا ما كان على سبيل الاستعانة بخواص الأجسام السفلية فهو علم الخواص ، أو الاستعانة بالنِّسب الرياضية فهو علم‌

__________________

(١) في «ص» : تلبّسهم ، تلبيسهم (خ ل) ، وفي «م» : تلبيهم.

(٢) في «ش» والدروس : عن لسانه.

(٣) انظر المصدرين المتقدمين.

(٤) لم ترد «له» في «ف» ، وفي «م» ، «خ» ، «ع» و «ص» : به.

(٥) انظر إيضاح الفوائد ١ : ٤٠٥ ، والعبارة المنقولة هنا هي عبارة التنقيح باختلاف يسير ، وتغيير بعض الضمائر.

(٦) التنقيح ٢ : ١٢.

(٧) الدروس ٣ : ١٦٤.