درس مکاسب محرمه

جلسه ۱۸۹: سحر ۳

 

تعالى الله عن ذلك عُلوّاً كبيراً ، لو قدر الساحر على ما وصفت لدفع عن نفسه الهَرَم والآفة والأمراض ، ولنفى البياضَ عن رأسه والفقرَ عن ساحته. وإنّ من أكبر السحر النميمة ، يفرّق بها بين المتحابّين ، ويجلب العداوة على المتصافين ، ويسفك بها الدماء ، ويهدم بها الدور ، ويكشف بها الستور ، والنمّام شرّ من وطأ الأرض بقدمه ، فأقرب أقاويل السحر من الصواب أنّه بمنزلة الطب ، إنّ الساحر عالج الرجل فامتنع من مجامعة النساء فجاءه الطبيب فعالجه بغير ذلك فأبرأه .. الحديث» (١).

ثم لا يخفى أنّ الجمع بين ما ذكر في معنى السحر في غاية الإشكال ، لكن المهم بيان حكمه ، لا موضوعه.

حكم أقسام السحر

المقام الثاني في حكم الأقسام المذكورة.

دعوى ضرورة الدين على حرمة أربعة أقسام منه

فنقول : أمّا الأقسام الأربعة المتقدمة من الإيضاح ، فيكفي في حرمتها مضافاً إلى شهادة المحدّث المجلسي رحمه‌الله في البحار بدخولها في المعنى المعروف للسحر عند أهل الشرع ، فيشملها الإطلاقات دعوى فخر المحققين في الإيضاح (٢) كون حرمتها من ضروريات الدين ، وأنّ مستحلها كافر (٣) [وهو ظاهر الدروس أيضاً فحكم بقتل مستحلّها (٤) (٥)] ،

__________________

(١) الاحتجاج ٢ : ٨١ ، مع اختلاف.

(٢) إيضاح الفوائد ١ : ٤٠٥ ، وعبارته خالية من دعوى الضرورة.

(٣) في «ن» ، «خ» ، «م» ، «ع» و «ص» زيادة : ودعوى الشهيدين في الدروس والمسالك أنّ مستحلّه يقتل.

(٤) الدروس ٣ : ١٦٤.

(٥) ما بين المعقوفتين ساقط من «ف».

فإنّا وإن لم نطمئن بدعوى الإجماعات المنقولة ، إلاّ أنّ دعوى ضرورة الدين ممّا يوجب الاطمئنان بالحكم ، واتفاق العلماء عليه في جميع الأعصار.

ما ذكره شارح النخبة حول الطلسمات

نعم ، ذكر شارح النخبة أنّ ما كان من الطلسمات مشتملاً على إضرار أو تمويه على المسلمين ، أو استهانة بشي‌ء من حرمات الله كالقرآن وأبعاضه وأسماء الله الحسنى ، ونحو ذلك فهو حرام بلا ريب ، سواء عُدّ من السحر أم لا ، وما كان للأغراض كحضور الغائب ، وبقاء العمارة ، وفتح الحصون للمسلمين ، ونحوه فمقتضى الأصل جوازه ، ويُحكى عن بعض الأصحاب (١) ، وربّما يستندون في بعضها (٢) إلى أمير المؤمنين عليه‌السلام ، والسند غير واضح. وألحق في الدروس تحريم عمل الطلسمات بالسحر ، ووجهه غير واضح ، انتهى (٣).

ولا وجه أوضح من دعوى الضرورة (٤) من فخر الدين ، والشهيد قدس‌سرهما.

__________________

(١) مثل الشهيدين والفاضل الميسي والمحقق الأردبيلي ، كما يأتي في الصفحة : ٢٧٢.

(٢) أي في بعض الطلسمات ، ولعلّ مراده بما يسند إليه عليه‌السلام طلسم «جُنّة الأسماء» على ما في بعض الشروح.

(٣) شرح النخبة للسيد عبد الله حفيد المحدث الجزائري (لا يوجد لدينا).

(٤) نسبة دعوى الضرورة إليهم مع خلوّ كلامهم عنها إنّما هي بلحاظ حكمهم بقتل مستحله ، حيث إنّه لا يكون إلاّ إذا كانت حرمته من المسلّمات والضروريات (شرح الشهيدي : ٥٩).

حرمة السحر المضرّ بالنفس المحترمة

وأمّا غير تلك الأربعة ، فإن كان ممّا يضر بالنفس المحترمة ، فلا إشكال أيضاً في حرمته ، ويكفي في الضرر صَرف نفس المسحور عن الجريان على مقتضى إرادته ، فمثل إحداث حبٍّ مُفرطٍ في الشخص يُعدّ سحراً.

روى الصدوق في الفقيه في باب عقاب المرأة على أن تسحر زوجها بسنده عن السكوني ، عن جعفر ، عن أبيه ، عن آبائه صلوات الله عليهم قال : «قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لامرأة سألته : أنّ لي زوجاً وبه غلظة عليَّ وأنّي صنعت شيئاً لأعطفه عليَّ؟ فقال لها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أُفٍّ لك! كدّرت البحار وكدّرت الطين ، ولعنتك الملائكة الأخيار ، وملائكة السماوات والأرض. قال : فصامت المرأة نهارها وقامت ليلها وحلقت رأسها ولبست المسوح ، فبلغ ذلك النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال : إنّ ذلك لا يقبل منها» (١).

بناءً على أنّ الظاهر من قولها : «صنعت شيئاً» المعالجة بشي‌ء غير الأدعية والصلوات ونحوها ؛ ولذا فهم الصدوق منها السحر ، ولم يذكر في عنوان سحر المرأة غير هذه الرواية.

الظاهر جواز ما لا يضرّ مع الشكّ في صدق اسم السحر عليه

وأمّا ما لا يضرّ ، فإن قصد به دفع (٢) ضرر السحر أو غيره من المضار الدنيوية أو الأُخروية ، فالظاهر جوازه مع الشك في صدق اسم السحر عليه ؛ للأصل ، بل فحوى ما سيجي‌ء من جواز دفع الضرر بما علم كونه سحراً ، وإلاّ فلا دليل على تحريمه ، إلاّ أن يدخل في «اللهو»

__________________

(١) الفقيه ٣ : ٤٤٥ ، الحديث ٤٥٤٤.

(٢) في «ن» ، «خ» ، «م» ، «ص» و «ش» : رفع.

أو «الشعْبَذَة».

لو صحّ رواية الاحتجاج صحّ الحكم بحرمة جميع ما تضمّنه

نعم ، لو صحّ سند رواية الاحتجاج (١) صحّ الحكم بحرمة جميع ما تضمنته ، وكذا لو عمل بشهادة من تقدم كالفاضل المقداد والمحدّث المجلسي رحمهما الله بكون جميع ما تقدم من الأقسام داخلاً في السحر (٢) اتّجه الحكم بدخولها تحت إطلاقات المنع عن السحر.

لكن الظاهر استناد شهادتهم إلى الاجتهاد ، مع معارضته بما تقدم من الفخر من إخراج علمي الخواصّ والحِيَل من السحر (٣) وما تقدم من تخصيص صاحب المسالك وغيره السحر بما يحدث ضرراً (٤) ، بل عرفت تخصيص العلاّمة له بما يؤثّر في بدن المسحور أو قلبه أو عقله.

فهذه شهادة من هؤلاء على عدم عموم لفظ «السحر» لجميع ما تقدم من الأقسام.

وتقديم شهادة الإثبات لا يجري في هذا الموضع ؛ لأنّ الظاهر استناد المثبتين إلى الاستعمال ، والنافين إلى الاطلاع على كون الاستعمال مجازاً للمناسبة.

الأحوط الاجتناب عن جميع الأقسام الثمانية

والأحوط الاجتناب عن جميع ما تقدم من الأقسام في البحار (٥) ، بل لعله لا يخلو عن قوة ؛ لقوة الظن من خبر الاحتجاج وغيره.

__________________

(١) تقدمت في الصفحة : ٢٦٣.

(٢) تقدّم كلامهما في الصفحة : ٢٦١.

(٣) تقدم في الصفحة : ٢٦٠ ٢٦١.

(٤) تقدم عنه وعن الشهيد الأوّل في الصفحة : ٢٥٩.

(٥) تقدّم عنه في الصفحات : ٢٦١ ٢٦٣.