درس بدایة الحکمة

جلسه ۱۶: جلسه شانزدهم

 

الإنسان ضاحك بالقوة ، وصدق الحكم فيها بمطابقته للوجود العيني.

ومنها ما موضوعها ذهني بحكم ذهني ، أو خارجي مأخوذ بحكم ذهني ، كقولنا الكلي إما ذاتي أو عرضي والإنسان نوع ، وصدق الحكم فيها بمطابقته للذهن ، لكون موطن ثبوتها هو الذهن ، وكلا القسمين صادقان بمطابقتهما لنفس الأمر ، فالثبوت النفس الأمري أعم مطلقا ، من كل من الثبوت الذهني والخارجي.

وقيل إن نفس الأمر عقل مجرد فيه صور المعقولات عامة ، والتصديقات الصادقة في القضايا الذهنية والخارجية ، تطابق ما عنده من الصور المعقولة.

وفيه أنا ننقل الكلام إلى ما عنده من الصور العلمية ، فهي تصديقات تحتاج في صدقها ، إلى ثبوت لمضامينها خارج عنها تطابقه.

الفصل التاسع

الشيئية تساوق الوجود

الشيئية تساوق الوجود والعدم لا شيئية له ، إذ هو بطلان محض لا ثبوت له ، فالثبوت والنفي في معنى الوجود والعدم.

وعن المعتزلة أن الثبوت أعم مطلقا من الوجود ، فبعض المعدوم ثابت عندهم وهو المعدوم الممكن ، ويكون حينئذ النفي أخص من العدم ، ولا يشمل إلا المعدوم الممتنع.

وعن بعضهم أن بين الوجود والعدم واسطة ، ويسمونها الحال ، وهي صفة الموجود التي ليست بموجودة ولا معدومة ، كالعالمية والقادرية والوالدية ، من الصفات الانتزاعية التي لا وجود منحازا لها ، فلا يقال إنها موجودة ، والذات الموجودة تتصف بها فلا يقال إنها معدومة ، وأما الثبوت والنفي

فهما متناقضان لا واسطة بينهما ، وهذه كلها أوهام يكفي في بطلانها قضاء الفطرة ، بأن العدم بطلان لا شيئية له.

الفصل العاشر

في أنه لا تمايز ولا علية في العدم

أما عدم التمايز فلأنه فرع الثبوت والشيئية ، ولا ثبوت ولا شيئية في العدم ، نعم ربما يتميز عدم من عدم ، بإضافة الوهم إياه إلى الملكات وأقسام الوجود ، فيتميز بذلك عدم من عدم ، كعدم البصر وعدم السمع وعدم زيد وعدم عمرو ، وأما العدم المطلق فلا تميز فيه.

وأما عدم العلية في العدم ، فلبطلانه وانتفاء شيئيته ، وقولهم عدم العلة علة لعدم المعلول ، قول على سبيل التقريب والمجاز (١) ، فقولهم مثلا لم يكن غيم فلم يكن مطر معناه بالحقيقة ، أنه لم يتحقق العلية التي بين وجود الغيم ووجود المطر ، وهذا كما قيل ، نظير إجراء أحكام القضايا الموجبة في السالبة ، فيقال سالبة حملية وسالبة شرطية ونحو ذلك ، وإنما فيها سلب الحمل وسلب الشرط.

__________________

(١) فإن قلت : فعلى هذا ، ما ذكرتم مثالا للقضية التي موضوعها المفهوم الاعتباري العقلي أيضا يكون على سبيل التقريب والمجاز.

قلت : إنما مثلنا بها للقضية النفس الأمرية ، وكون الحمل في القضية على التقريب والمجاز لا يخرجها عن الصدق ولا يلحقها بالكواذب ، وحقيقتها التي هي قولنا : " لم تتحقق العلية التي بينهما " قضية نفس الأمرية أيضا. – منه دام ظله ـ