درس بدایة الحکمة

جلسه ۷۳: جلسه هفتاد و سوم

 

من مقتضاه دائما أو في أكثر أوقات وجوده ، قسر دائمي أو أكثري ، ينافي العناية الإلهية بإيصال كل ممكن إلى كماله ، الذي أودع فيه استدعاؤه ، فلكل شيء غاية هي كماله الأخير الذي يقتضيه ، وأما القسر الأقلي فهو شر قليل ، يتداركه ما بحذائه من الخير الكثير ، وإنما يقع فيما يقع في نشأة المادة ، بمزاحمة الأسباب المختلفة.

الفصل الثامن

في إثبات الغاية فيما يعد لعبا أو جزافا أو باطلا

والحركات الطبيعية وغير ذلك

ربما يظن أن الفواعل الطبيعية ، لا غاية لها في أفعالها ، ظنا أن الغاية يجب أن تكون معلومة مرادة للفاعل ، لكنك عرفت (١) أن الغاية أعم من ذلك ، وأن للفواعل الطبيعية غاية في أفعالها ، هي ما ينتهى إليه حركاتها.

وربما يظن أن كثيرا من الأفعال الاختيارية لا غاية لها ، كملاعب الصبيان بحركات لا غاية لهم فيها ، وكاللعب باللحية وكالتنفس ، وكانتقال المريض النائم من جانب إلى جانب ، وكوقوف المتحرك إلى غاية عن غايته ، بعروض مانع يمنعه عن ذلك ، إلى غير ذلك من الأمثلة.

والحق أن شيئا من هذه الأفاعيل لا يخلو عن غاية ، توضيح ذلك أن في الأفعال الإرادية مبدأ قريبا للفعل ، هو القوة العاملة المنبثة في العضلات ، ومبدأ متوسطا قبله ، وهو الشوق المستتبع للإرادة والإجماع ، ومبدأ بعيدا قبله ، هو العلم وهو تصور الفعل على وجه جزئي ، الذي ربما قارن التصديق بأن

__________________

(١) في الفصل السابق.

الفعل خير للفاعل.

ولكل من هذه المبادي الثلاثة غاية ، وربما تطابقت أكثر من واحد منها في الغاية ، وربما لم يتطابق.

فإذا كان المبدأ الأول وهو العلم فكريا ، كان للفعل الإرادي غاية فكرية ، وإذا كان تخيلا من غير فكر ، فربما كان تخيلا فقط ثم تعلق به الشوق ، ثم حركت العاملة نحوه العضلات ، ويسمى الفعل عندئذ جزافا ، كما ربما تصور الصبي حركة من الحركات ، فيشتاق إليها فيأتي بها ، وما انتهت إليه الحركة حينئذ غاية للمبادي كلها.

وربما كان تخيلا مع خلق وعادة ، كالعبث باللحية ويسمى عادة ، وربما كان تخيلا مع طبيعة كالتنفس ، أو تخيلا مع مزاج كحركات المريض ، ويسمى قصدا ضروريا ، وفي كل من هذه الأفعال لمباديها غاياتها ، وقد تطابقت في أنها ما انتهت إليه الحرة ، وأما الغاية الفكرية فليس لها مبدأ فكري ، حتى تكون له غايته.

وكل مبدإ من هذه المبادي إذا لم يوجد غايته ، لانقطاع الفعل دون البلوغ إلى الغاية ، بعروض مانع من الموانع ، سمي الفعل بالنسبة إليه باطلا ، وانقطاع الفعل بسبب مانع ، يحول بينه وبين الوصول إلى الغاية ، غير كون الفاعل لا غاية له في فعله.

الفصل التاسع

في نفي القول بالاتفاق وهو انتفاء الرابطة بين

ما يعد غاية للأفعال وبين العلل الفاعلية

ربما يظن أن من الغايات المترتبة على الأفعال ، ما هي غير مقصودة