درس بدایة الحکمة

جلسه ۷۴: جلسه هفتاد و چهارم

 

الفعل خير للفاعل.

ولكل من هذه المبادي الثلاثة غاية ، وربما تطابقت أكثر من واحد منها في الغاية ، وربما لم يتطابق.

فإذا كان المبدأ الأول وهو العلم فكريا ، كان للفعل الإرادي غاية فكرية ، وإذا كان تخيلا من غير فكر ، فربما كان تخيلا فقط ثم تعلق به الشوق ، ثم حركت العاملة نحوه العضلات ، ويسمى الفعل عندئذ جزافا ، كما ربما تصور الصبي حركة من الحركات ، فيشتاق إليها فيأتي بها ، وما انتهت إليه الحركة حينئذ غاية للمبادي كلها.

وربما كان تخيلا مع خلق وعادة ، كالعبث باللحية ويسمى عادة ، وربما كان تخيلا مع طبيعة كالتنفس ، أو تخيلا مع مزاج كحركات المريض ، ويسمى قصدا ضروريا ، وفي كل من هذه الأفعال لمباديها غاياتها ، وقد تطابقت في أنها ما انتهت إليه الحرة ، وأما الغاية الفكرية فليس لها مبدأ فكري ، حتى تكون له غايته.

وكل مبدإ من هذه المبادي إذا لم يوجد غايته ، لانقطاع الفعل دون البلوغ إلى الغاية ، بعروض مانع من الموانع ، سمي الفعل بالنسبة إليه باطلا ، وانقطاع الفعل بسبب مانع ، يحول بينه وبين الوصول إلى الغاية ، غير كون الفاعل لا غاية له في فعله.

الفصل التاسع

في نفي القول بالاتفاق وهو انتفاء الرابطة بين

ما يعد غاية للأفعال وبين العلل الفاعلية

ربما يظن أن من الغايات المترتبة على الأفعال ، ما هي غير مقصودة

لفاعلها ولا مرتبطة به ، ومثلوا له بمن يحفر بئرا ، ليصل إلى الماء فيعثر على كنز ، والعثور على الكنز ، ليس غاية لحفر البئر مرتبطة به ، ويسمى هذا النوع من الاتفاق بختا سعيدا ، وبمن يأوي إلى بيت ليستظل فينهدم عليه فيموت ، ويسمى هذا النوع من الاتفاق بختا شقيا.

وعلى ذلك بنى بعض علماء الطبيعة كينونة العالم ، فقال إن عالم الأجسام مركبة من أجزاء ، صغار ذرية مبثوثة في خلاء غير متناه ، وهي دائمة الحركة فاتفق أن تصادمت جملة منها ، فاجتمعت فكانت الأجسام فما صلح للبقاء بقي ، وما لم يصلح لذلك فنى سريعا أو بطيئا.

والحق أن لا اتفاق في الوجود ، ولنقدم لتوضيح ذلك مقدمة ، هي أن الأمور الكائنة ، يمكن أن تتصور على وجوه أربعة ، منها ما هو دائمي الوجود ، ومنها ما هو أكثري الوجود ، ومنها ما يحصل بالتساوي ، كقيام زيد وقعوده مثلا ، ومنها ما يحصل نادرا وعلى الأقل ، كوجود الإصبع الزائد في الإنسان.

والأمر الأكثري الوجود يفارق الدائمي الوجود ، بوجود معارض يعارضه في بعض الأحيان ، كعدد أصابع اليد فإنها خمسة على الأغلب ، وربما أصابت القوة المصورة للإصبع مادة زائدة صالحة لصورة الإصبع ، فصورتها إصبعا ومن هنا يعلم ، أن كون الأصابع خمسة مشروط بعدم مادة زائدة ، وأن الأمر بهذا الشرط دائمي الوجود لا أكثريه ، وأن الأقلي الوجود مع اشتراط المعارض ، المذكور أيضا دائمي الوجود ، لا أقليه وإذا كان الأكثري والأقلي دائميين بالحقيقة ، فالأمر في المساوي ظاهر ، فالأمور كلها دائمية الوجود ، جارية على نظام ثابت لا يختلف ولا يتخلف.

وإذا كان كذلك ، فلو فرض أمر كمالي مترتب على فعل فاعل ، ترتبا دائميا لا يختلف ولا يتخلف ، حكم العقل حكما ضروريا فطريا بوجود رابطة وجودية ، بين الأمر الكمالي المذكور وبين فعل الفاعل ، رابطة تقضي بنوع من الاتحاد الوجودي بينهما ، ينتهي إليه قصد الفاعل لفعله وهذا هو الغاية.